المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كامل بدوي  Headshot

ناموا ولا تستيقظوا

تم النشر: تم التحديث:

وأنا أتصفح بريدي الوارد وجدت دعوة لأضخم وأكبر معرض للكتاب في الشرق الأوسط، من حسن حظي أنني محب للكتب ومحب لتناول جرعات منها، أسبوع ويبدأ المعرض، كنت كل يوم أجهز نفسي وأجلس معها لكي أرى ما هي الكتب التي سأشتريها وما هي فائدتها بالنسبة لي، فكم اشترينا من كتب بلا فائدة، كم سأنفق على هذه الكتب، وضعت قائمة طويلة لبعض العناوين وبعض أسماء الكتَّاب الذين أتابعهم وأتابع أعمالهم بشغف، يالها من فرصة.

الأيام تمضي بشكل بطيء وكأن اليوم دهر، حاجتي للذهاب إلى هذا المعرض كمثل حاجتي للطعام والشراب، أصبر نفسي وأقول لها: أيام معدودات ويبدأ المعرض، سأكون من أوائل الزائرين له ولعلي نسيت أن أخبركم بأن الدعوة الموجهة إليَّ هي دعوة خاصة بمعني أن لدي من الامتيازات الشيء الكثير، وفرصتي للحصول على الكتب وتوقيعات المؤلفين أكبر، كل يوم أنتظر وأنتظر حتى مللت الانتظار أو أن الانتظار قد مل من إلحاحي، غداً هو اليوم المنشود، غداً سيبدأ المعرض. سأكون هناك بين ألوف الكتب، كم هو شعور رائع لا يعيشه إلا القلة، هل جربتم هذا الشعور من قبل؟

استيقظت باكراً مع أنني لم أنم من فرط سعادتي، تناولت فطوري فالفطور عادة صحية نسيناها أو تناسيناها أو بالأحرى فقدناها، فجل الناس لا يصحون مبكراً وإن كانوا يفعلون فيكون ذلك رغم أنفهم لارتباطهم بدراسة أو وظيفة، كنت أشعر بالسعادة وأشعر بها تزيد وتزيد كلما زاد اقترابي من بوابات المعرض الشاهقة، دخلت البوابة وأحسست وكأنني في عالم آخر، الكتب عالم آخر بكل ما تعنيه الكلمة، أستطيع تسميته كوكب آخر يعيش فيه القارئ.

نرى في الكتب أشياء لا نراها عادة، عالم مليء بكل شيء، في اعتقادي الشخصي أن تلك الأشياء هي سر من أسرار حياتنا وبقائنا على وجه المعمورة، كنت كالطفل وأنا أتجول بين أجنحة المعرض كنت فرحاً سعيداً مشرقاً متألقاً، شعرت وكأنني "أليس في بلاد العجائب"، أتجول داخل أروقة الأجنحة وأقلب الكتب بيدي وكأنها صناديق لكنوز أحاول فتحها والحصول عليها، أستمتع بقراءة العناوين والفهارس بنهم وشغف، كلما أعجبني كتاب قلبته بين يدي لأجعل بيني وبينه ارتباطا ثم أشتريه، وصلت لمرحلة لا أستطيع فيها حمل ما اشتريت من كتب لكثرتها وثقل وزنها أو ثقل ما فيها، قررت أن أشتري ما يمكنني شراؤه تاركاً إياها عند المكتبات واعداً إياهم أنني سأمر عليها لاحقاً لأخذها.

أثناء تجولي كنت أراقب الكتب وأراقب شغف الناس وسلوكياتهم تجاه الكتب شد انتباهي شيء ما! شيء غريب بالنسبة لي لكنه بالنسبة للناس أمر عادي! شدني إقبال الناس على نوع معين من الكتب! فكرت بين نفسي ونفسي هل هذا النوع من الكتب كتب اجتماعية أو دينية أو علمية أو بيئية؟ حتماً لا. هي كتب خاصة بالطبخ. نعم كتب للطبخ، الكل يبحث ويشتري كتب الطبخ ولعل كل شيء في حياتنا قد أصبح طبخاً فالتعامل طبخ والسياسة طبخ والعمل طبخ، أصبحنا مطابخ متحركة كل منا يطبخ طبخته التي يراها ويفضلها ولا يهمنا طعمها وهل يستسيغها الآخرون أم لا، الكل يبحث عن كتب الطبخ الخاصة بالمشاهير مثل منال العالم والشيف أسامة وأبلة نظيرة، معظم الناس يبحثون عن كتب الطبخ ويشترونها، لعله أمر جيد فالغذاء مهم وقد يكون بالنسبة للبعض أهم من العلوم وأهم من كل شيء، وكما يقال في بعض الأمثال: إذا امتلأت العدوة قلت المروءة ويقصدون بالعدوة هنا المعدة! الكل حر يشترى ما يريد اللهم لا حسد لكن أن يصبح ظاهرة هنا لا بد لنا من التوقف والتفكير.

شدني نوع آخر من الكتب رأيت الإقبال عليه أكثر، توقفت لبرهة وأنا أشاهد الفئة التي تشتريه، نساء ورجال شباب وشيوخ ولكن السمة السائدة التي تجمعهم أنهم من العرب؛ لأن هذا النوع من الكتب بحسب علمي غير متوفر سوى باللغة العربية ولا يهتم به غير العرب إلا قلة من غيرهم، تأملت حال الناس وهم مقبلون على شراء هذه الكتب مع ارتفاع أسعار معظمها.

سألت نفسي: ماذا جرى لهؤلاء؟ ولماذا يقبلون على شراء هذا النوع من الكتب ويسعون للحصول عليها؟ حتى أن البعض منهم يرى أنها من أسس الحياة وأنها إن لم تكن موجودة داخل المنزل فذلك يعتبر نقصاً وتقصيراً منهم! لماذا يوجد في المكتبات من هذه الكتب العشرات وكلها بنفس العنوان أو بعناوين تكاد تكون متشابهة؟ ولماذا هذا الكم مع أن المضمون واحد؟ ولماذا هذا الاهتمام بمثل هذه المواضيع؟

أسئلة كثيرة دارت في ذهني لم أجد لها إجابات محددة وواضحة، أعلم أنكم تريدون معرفة ما هي هذه الكتب حتى تشبعون فضولكم فالبعض منا قد يقتله الفضول وما أكثر فضولنا، سأخبركم ولكن بطريقة مختلفة وأريدكم أنتم من يقول لي ما هي هذه الكتب وما هو موضوعها.

لكي أخبركم بذلك لابد لي من أن أقص عليكم قصة عشتها وستكون قصتي هي مفتاح الموضوع، كنت في رحلة بحرية استمتعت فيها بالغوص والسباحة وركوب الأمواج والصيد، يوم بأكمله وانا أستمتع بالبحر وهوائه النقي وعبيره المنعش، عند غروب الشمس واختفائها خلف الأفق عدت إلى المنزل وأنا في قمة الإرهاق، أخذت دشا أو حماما باردا، فالحمام البارد علاج للكثير من الأمراض، معظمنا لا يعي ذلك، تناولت عشائي ثم لجأت إلى سريري الدافئ ومخدتي التي لا تنام إلا في حضني أو التي لا أنام إلا في حضنها الأمر سيان.

رحت في سبات عميق، فجأة استيقظت وأنا فزع قائلاً: خيرا اللهم اجعله خيرا، خيرا اللهم اجعله خيرا، شربت بعضاً من الماء وأنا أتنفس بسرعة وكأنني قد أنهيت سباقاً للعدو من توي، قمت من فوري وتوجهت إلى مكتبتي وأخرجت كتابا لأبحث فيه عما رأيت في المنام، بحثت بين الحروف عن حرف التاء وفيه عن الكلمة المطلوبة: تمساح! نعم كلمة تمساح، فما رأيته في منامي تمساح ضخم كان يهاجمني ويحاول افتراسي وأنا أهرب منه إلا أنني وقعت بين فكيه، كنت أصرخ وأصرخ وأتلوى حتى استيقظت فزعاً من هول ما رأيت، قرأت ماذا تعني كلمة تمساح في المنام: كلمة تمساح تدل رؤيته في المنام على شرطي فلا يأمنه عدو ولا صديق، ويدل أيضاً على التاجر الظالم الخائن، فمن رأى التمساح جره إلى الماء وقتله فيه فإنه يقع في يد شرطي يأخذ ماله ويقتله، وتدل رؤية التمساح في المنام على... وربما دلت رؤيته على... ومن رأى أن التمساح...

دعوت الله أن يكون خيراً وأن يكفينا شرور التماسيح وما تعنيه في اليقظة وفي المنام، عدت للنوم بعد أن شربت كوبا من الحليب الساخن، أغط في نومي وأحلم، أستيقظ لكي أفسر ما أحلم به! هذه هي حال بعض الناس في عالمنا العربي وكم هم كثر، ينامون ليحلموا ويستيقظون باحثين عما يرونه في أحلامهم فقط، نعم هذا فقط، الواقع لا يهمنا في شيء كل ما نفعله مع واقعنا أننا نتركه لننام، ننام لنحلم، نحلم لنفسر، نفسر لنرضي أنفسنا، لا تطبيق ولا أفعال ولا شيء آخر، ولعل مثل هؤلاء يعتمدون على مبدأ: أن النوم والكسل أحلى من العسل.

نعم ما أتحدث عنه كتب الأحلام وتفسيرالأحلام الذي أصبح هوساً للبعض منا، نحن رأينا ورأينا ورأينا في المنام، ما هو تفسير ذلك وماذا يقول الكتاب الفلاني أو الشيخ الفلاني، أنا لا أعارض ولا أهاجم تفسير الأحلام أو تأويلها ولكن أهاجم من يجعلونها هوساً، أهاجم من لا يعملون ويكتفون بما يرون في أحلامهم، أهاجم من كانت حياتهم نوما وأحلاما فقط، لقد خلقنا الله لكي نعمل وننجز ونبدع ونضع بصمة لنا في هذه الحياة، نحيي أنفسنا ونحيي الآخرين بالعمل وليس بالأحلام، بالجهد والجد والكد والتعب وليس بحلم أو كابوس أو أضغاث أحلام، أنا واثق أن فئة كبيرة من هؤلاء لا يعرفون الفرق بين الرؤيا والأحلام والأضغاث..

الأحلام لها أسسها وشروطها وتقسيماتها فالرؤيا هي مشاهدة النائم أمرا محبوباً، وهي من الله، وقد يراد بها تبشير بخير، أو تحذير من شر، والحلم هو ما يراه النائم من مكروه، وهو من الشيطان، وأضغاث الأحلام وهي عبارة عن رغبات ومخاوف مكبوتة في العقل الباطن، وفي تفسير آخر الحلم والرؤية هو سلسلة من التخيلات التي تحدث أثناء النوم، وتختلف الأحلام في مدى تماسكها ومنطقيتها..

يقول سيغموند فرويد إن الأحلام هي وسيلة تلجأ إليها النفس لأشباع رغباتها ودوافعها المكبوتة، خاصة التي يكون أشباعها صعبا في الواقع. ففي الأحلام يرى الفرد دوافعه قد تحققت في صورة حدث أو موقف والمثل الشعبي القائل "الجعان يحلم بسوق العيش" خير تعبير على هذا، ولكن غالباً ما تكون الرغبات في الحلم مموهة أو مخفية بحيث لا يعى الحالم نفسه معناها، ولذلك فإن كثيرا من الأحلام تبدو خالية من المعنى والمنطق شبيهة بتفكير المجانين.

نصيحتي لكل من يهتم بالأحلام وتفسيرها: إن أكلت أكلاً دسماً قبل نومك فتأكد أنك سترى كل شيء في منامك من تماسيح وديناصورات وثعابين ووحوش وغيلان وكل ما لذ وطاب من تلك الأشياء، وإن كنت ممن ينامون كثيراً فبالتأكيد أنك سترى ألف حلم وحلم فالأحلام من مكملات النوم، عش حياتك بشكل طبيعي معتدل واعمل جاهداً وأنظر بعدها هل تحلم أم أنك ممن خرجوا من أرض الأحلام إلى أرض الحقيقة والواقع، أرض تحقيق الأحلام والعمل وليس تفسير الأحلام والكسل.. أما من كان مصراً على النوم فنوماً هنيئاً وأذكرهم بمقولة: ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوم، لقد فزتم أيما فوز فقد ترون في أحلامكم ما يغير الكون ويفيد البشرية، أنتم نائمون ونحن في انتظار أحلامكم لتفسيرها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.