المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كامل بدوي  Headshot

وحوش في غابات من حجر

تم النشر: تم التحديث:

في إحدى الغابات التي بناها بنو البشر، غابة جذوع أشجارها عمارات ترتفع هنا وهناك أشجار ليست كالأشجار أوراقها بداخلها فقطعة الإسمنت ورقة، والزجاج ورقة، والإضاءة ورقة، تختلف مسميات هذه الأوراق بحسب المكان والزمان، تسمى الأوراق في بعض المناطق بالدولار والجنيه والدينار والين واليورو والريال والدرهم والليرة.. أسماء مختلفة تجعلنا نفكر ونتعجب وتدور حولها تساؤلات وشك وحيرة أما الجذور فتتغلغل في نحور العديد منا لتخنقنا وتقتلنا.

في أحد أركان تلك الغابة الكئيبة، داخل إحدى التجويفات التي بأسفل تلك البنايات المنتشرة هنا وهناك كنت أجلس وأمامي كوب من القهوة، طلبته سادة كشكل حياتي التي يصبغها اللون الداكن، ليس فيها وأقصد هنا حياتي أي شيء سوى المرار الذي أرتشفه يومياً من كل ما يحيط بي وبكم كما أرتشف قهوتي.

لا فرق، كل شيء يسقيني المرار والأسى والإحباط دون رغبة مني أو رضا، أما قهوتي فأدفع لها مقابل من حر مالي لكي تأتي إلي لأرتشف مرارها بطيب خاطر وبمزاجية عالية وكأنني أكمل مرار ما أعيشه بمرار القهوة، كنت أتأمل ما حولي فلم أجد إلا أشكالاً قد خلت من البشر مع وجودهم في كل الزاويا وفي كل ركن من الأركان، أعيش بمفردي وسط الجموع وكذا يفعل غيري، الكلّ يعيش عزلته ويعيش بمفرده، نقتل أنفسنا لكي نعيش وكل شيء أصبح اليوم متاحاً.. شاي، قهوة، كابتشينو، شيشة، سجاير، مأكولات مسممة، هواء ملوث، مياه غير صالحة، أي شيء طالما أن النفس سعيدة! وما تفعله بنفسها لتسعد وترتاح حتى لو كان في ذلك هلاكها ونهايتها.

تمضي دقائقي أيّاما والثواني وكأنها ساعات، حمل كالجبال أحمله، أشعر بالملل والكآبة والحزن على حالي، لدي من ضغوط الحياة الشيء الكثير، وكلنا كذلك لدينا ما لدينا وأعتذر منكم لأنني لا أستطيع التحدث عن مشاكلي وهمومي فلديكم ما يكفيكم ومنكم بالتأكيد من يحمل أكثر مما أحمل، كنت أمسك بهاتفي الذي أعتبره صديقي الصدوق ورفيقي ومعلمي وموجهي ومرشدي وحبيبي وحياتي كلها، هو كل شيء ببساطة..

نعم أصبح كل شيء، معظمنا لديهم نفس الصديق لكننا نفضل العزلة، فصديقي لي وحدي، وحياتي خاصة بي أنا فقط، وغيري ليس كائن ولن يكون طالما لا تربطنا مع الغير علاقة باختلاف أنواعها ومسمياتها..

كنت بين الفينة والأخرى أنظر إلى الواجهة الزجاجية للمقهى الذي أقبع بداخله، واجهة المقهى تطل على شارع حيوي لا حياة فيه، فقط أشياء من لحم ودم وحديد تنطلق في كل مكان وفي كل الاتجاهات.. حياة بدون حياة، أرواح بلا روح.. أعود لقهوتي وأرتشف منها رشفة لأتذكر الحالة.. ملل وكم أن حياتي بائسة، كم هي مملة تلك الحياة، هموم لا يعلم بها إلا الله، مشاكل، مسؤوليات، التزامات. يا إلهي ساعدني.

أعود لأنظر إلى ذلك الطريق الذي يتسابق فيه الكل دونما خط نهاية، فالنهاية هي الموت ولا نريد الوصول إليه، بل نهرب منه، فالجميع هائمون حائرون في هذه الدنيا لا يعرفون ماذا يريدون, لكل واحد وجهته، بالنسبة إليه هي كل ما يملك، وبالنسبة للآخرين لا شيء.. استوقفني منظر غريب وسط تلك الفوضى العارمة، امرأة عجوز تسير الهوينا وشاب معاق يضع يده على كتفها ويحاول السير بصعوبة بالغة لم أشهدها من قبل، يحاول جاهداً اللحاق بها وهي تسير خطوة وتنتظر خطوات رأفة بحاله.. تمد يدها للناس من حولها وهم لا يرون إلا أنفسهم وكأنها سراب، أم أنهم هم ذلك السراب! يمر بالقرب منها العشرات دون أن يمر أحد، بشر ليسوا ببشر، أناس ليسوا بأناس.. كائنات هلامية تمشي بيننا لا روح فيها ولا قلب ولا مشاعر أو إحساس، المرأة تسير وتستعطف الناس وتستجديهم، قلة من البشر من يصادفونها أو تصادفهم، تسير في غابة الحجر والطوب والاسمنت والمادة التي امتلأت بالوحوش والكائنات المفترسة والمخلوقات الأنانية أو ما يمكن تسميتها بالكائنات الطّفيلية.

كانت المرأة تبحث عن أي مغارة أو تجويف مليء بالناس وتحاول الدخول إليه لعلها تجد من يعينها ولو بحفنة من المعدن، جلادو المكان دائماً لها ولأمثالها بالمرصاد، فهنا في هذا المقهى وما شابهه يجلس النخبة وأصحاب المقام الرفيع، وأنتِ أيتها العجوز مجرد حثالة أو نكرة تتأفف منك النفس.. "الله يحنن"، "الله يكرمك"، "ربي يسهل عليكِ"، "الله يعطيكِ"، "اتّكلي على الله"... عبارات موحدة يستخدمها معظم الناس للخروج من هذه الورطة وهذا الموقف الذي نراه في أماكن كثيرة ولا يحرك فينا ساكناً أو يهز فينا ضميرا.

تأملت المرأة وذلك الشاب المعاق وهي تتقدم إلى المكان الذي أجلس فيه، ما إن دنت منه حتى انطلق إليها الزبانية ووقفوا لها بالمرصاد، اذهبي من هنا، إيّاكِ أن تدخلي، يلا هش.. وكأنها حشرة من الحشرات أو فيروس يسعى لإتلاف المكان.. كل من بالمكان يعيش حياته ولا يرى في هذه الدنيا إلا ذاته في لبسه وعطره وتلفونه ومشروبه وعمله ومن هو وابن من وليذهب كل ما عدا ذلك إلى الجحيم لم يلتفت أحد مع كثرتهم، شدني المنظر كثيراً خصوصاً ذلك الشاب المرافق للعجوز فقد كانت إعاقته لافتة.

واسمحوا لي أن أصور لكم المنظر لعله يقرب إلى الأذهان، هو في الثلاثينات من عمره، ملابسه رثة، شعره منكوش وكأنه خارج من جحر من باطن الأرض، رأسه مرفوع وكأنّه ينظر إلى السماء، عيناه جاحظتان، فمه مفتوح دوماً، يده على كتف أمه العجوز ويده الثانية خلف ظهره وكأنه يدفع بها عموده الفقري خوفاً عليه من السقوط، يمشي وكأن لديه رجل أطول من الأخرى مع أنهما متساويتان، يحرك ساقيه بصعوبة بالغة ويجرهما جراً، رأسه تتحرك مع حركة جسمه وكأن هناك ما يكبله من داخله ويجعل منه ما يشبه تلك الدمى التي نحركها بالخيط، إضافة إلى أنه لا يستطيع الكلام وكل ما يصدره مجرد أصوات غير مفهومة، أما الأم فامرأة كبيرة قد تجاوزت الستين من عمرها، يظهر من هيئتها أنها ابنة عز ومن عائلة محترمة، يكسو ملامحها الوقار، ولمسة حزن واضحة وكأن الزمان عليها قد جار..

استوقفني الأمر وطلبت من الزبانية تركها والابتعاد عنها، قفزت من مكاني وخرجت إليها، أخذت بيد ابنها وطلبت منهم مرافقتهم في جولة قصيرة، سألت الأم من أين هي؟ وما بال ذلك الشاب؟ وكيف حصل له ذلك؟ وهل ولد وهو بهذه الهيئة؟ أم أنه حادث؟ أسئلة كثيرة طرحتها على الأم، عند كل سؤال أطرحه كان ذلك الشاب يشير بإصبعه إلى فمه وأنا أشد على يديه وأقول له صبراً، جهلي قد صور لي أنه يريد أن يأكل، وجهلي الأكبر هو ما جعلني اسأل المرأة كل تلك الأسئلة، سألت لأريح نفسيتي المريضة وأشبعها بأشياء لا تعنيني ولا تهمني، لماذا أريد أن أعرف من أين هي؟ هل لأحدد مقدار التعاطف معها، لماذا اسألها هل ولد هكذا أم أنه حادث! هل ذلك سيجعلني أخرج مشاعر إضافية، نحن فعلاً نفكر بطريقة مريضة، نسأل لنشبع فضولنا حتى في مواقف لا تحتاج إلى السؤال، نسأل لنثبت لأنفسنا أننا في مكان القوة وهم في مكان الضعف.

بدأت المرأة في الحديث وقالت لي: هربنا من بلادنا وتشردنا بسبب انقضاض الوحوش وسيطرتهم علينا وعلى كل ما لدينا، نعم في هذا السن هربت مع ابنها لكي تحافظ على حياتها وحياته حتى لو كانت ستعيش الكفاف ولا تجد إلا الأرض فراشاً والسماء لحاف، ابنها هي من تعيله ولم تكن لتتخيل أنه لن يعيلها عندما ولدته وتحملت آلام الولادة والتربية، كانت فخورة به. وكانت وكانت وكانت فهي أم..

وقفت متعجباً مما يحدث! هي تحكي وأنا أستمع وهو يشير بيده إلى فمه ويصدر أصوات غريبة وكأنه يستجديني ويستعطفني بآهات جهلتها ويجهلها الكثيرون فالآهات تعني المعاناة بلا شك، أشد على يده وأقول له صبراً، الأم تتحدث وأنا أستمع إليها باهتمام بالغ إلى أن قالت لي ما جعلني أشعر بأنني أحمق من في هذا الكون وأحقرهم نعم شعرت فعلياً بذلك، قالت لي: بعضهم وضع مسدس داخل فم ابني وأطلق عليه النار فاخترقت الرصاصة سقف فمه وخرجت من الرأس فقد بسببها القدرة على الكلام والحركة وأصبح كما تراه، كان يشير إلى فمه في كل مرة لأفهم ولأنظر وكم كنت غبياً لا أفهم ولا أرى ولا أسمع ولا أشعر لأكون القرد الرابع في حلقة القرود التي مثلوها لنا بأن أحدهم لا يرى والثاني لا يتكلم والثالث لا يسمع، أي حمق هذا وأي غباء أعيشه ويعيشه معظمنا؟

كل ما نفكر فيه الماديات ومصالحنا، مرة أخرى أشار إلى فمه فنظرت ويا لهول المنظر.. فتحة أو فراغ في سقف الحلق ممتد إلى طرف الجمجمة، تكمل الأم: رصاصة أطلقت عليه ولم نعرف الفاعل ولو عرفنا لسكتنا فقد أهدرت الكرامات، لم يمت هذا الشاب مع أنه فقد جزء من مخه لأن ساعته لم تحن بعد أو لأن ذلك اختبار له أو لأمه..

رأيت ما رأيت وأحسست وكأن هناك من صفعني على وجهي لأفوق من غفلتي وتلك الغيبوبة التي نعيشها، نشتكي من أتفه الأمور، نزعل وتسودّ الدنيا من حولنا لأن فلان حكى معنا بطريقة سيئة، ولأن والدي شتمني، ولأنني لم أحصل على ما أريد أو أو.. أشياء كثيرة لا أصفها إلا بالتفاهات.. نغضب ونتذمر ونشعر بالكلل والملل والكآبة والحزن مع أننا في خير حال، نحن لا ندرك ذلك ولا نقدره، كل شيء لدينا نعمة، حياتنا، أنفسنا، ما حولنا، ببساطة كل شيء، يكفيك من النعم أنك تستطيع أن تحك أنفك بأصبعك، تخيل أنك تعيش هذه المعاناة وكنت أنت ذلك الشاب أو كنتِ أنتِ شابة كتب عليها ذلك، أغمضوا أعينكم للحظة وتأملوا حال هذا الشاب وكيف أنه في هذا السن يحتاج لمن يطعمه ويرعاه وينظفه وووووو..

انظروا الى النعمة التي أنتم فيها جيداً.. فقد تزول ولا شيء يبقى على حاله، ولو كان باقياً، تأملوا غيركم فلستم الوحيدون على هذه الأرض. كان بالإمكان أن تكون أنت ذلك وأن يكون هو أنت , ولكنها حكمة الله، تأمل حالك وحال غيرك وتذكر النعم التي تمتلكها، وانظر إلى من حولك وإلى نفسك، ننشغل بأجهزتنا لنهرب من واقعنا، نفرح بأنفسنا وننسى غيرنا، ننشغل بالملذات وننسى ما علينا من واجبات، تذكر أن كل لحظة تمر عليك هي نعمة وإن كل موقف في حياتك هو نعمة حتى وإن كانت في نظرك نقمة تستحق أن تجعلك تسخط..

انتهى الموقف وعدت إلى طاولتي، أعدت ترتيب أوراقي، عدت إلى حياتي الواقعية وفكرت، قررت أن أعيش اللحظة، أستمتع بكل ما لدي من نعم وأشكر الله على ذلك.. طلبت من الجرسون احضار كوكتيل من الفواكه بدل تلك القهوة فحياتي ملونة وجميلة وحلوة، كلنا كذلك لو رأينا مأساة غيرنا. فليسامحنا الله على ما نفعله بأنفسنا قبل غيرنا، وليعفوا عنا فقد تحول كثير منا من بشر إلى وحوش تسكن الغابات الاسمنتية.. كفانا الله شر أنفسنا وشرهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.