المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كمال الدين شيخ محمد عرب Headshot

الشباب وجنون الموضة

تم النشر: تم التحديث:

باتت ثقافة الملابس وأناقة المظهر علماً يدرس في دورات خاصة، كجزء من مهارات الاتصال والتواصل مع المحيط، كما هو الحال في نبرة الصوت، وطريقة الكلام، وغيرها من المهارات الأساسية واللازمة في خطة نجاح أي إنسان؛ حيث تبين خبيرة مهارات الاتصال والقيادة الشخصية (زين غنما) أن الانطباع الأول الذي يأخذه الشخص عن الطرف المقابل، يعتمد على ما يراه، والانطباع الأول يتم أخذه عن طريق اللباس والشكل العام، ثم بعد ذلك تأتي السلوكيات والأفعال؛ لتعزز الانطباع الأول.

وتضيف "غنما" أن الإنسان يجب أن يتمتع بالحكمة والمنطق ويفكر ملياً بالصورة التي يريد أن يعكسها عن نفسه، ويود أن يتركها في أذهان الناس "طريقة اختيار الملابس تخبر شيئاً عنا".

وبشكل عام، يستطيع الشخص الذي يتمتع بذكاء اجتماعي أن يختار الزي المناسب للمكان المناسب، بحسب غنما، منوهة بأنه من غير المقبول على سبيل المثال أن يذهب شخص لحضور مباراة وهو يرتدي بدلة رسمية، أو أن يذهب شخص لحضور عرس وهو يرتدي "بنطلون جينز" مهترئاً و"تي شيرت".
ولا تغفل "غنما" ضرورة الاهتمام بالتفاصيل مع الحرص على النظافة والرائحة العطرة ونظافة الأسنان؛ لأن جزئية صغيرة يمكن أن تؤثر على الشكل العام وتؤذي الصورة المنشودة.

كم أشعر بالغرابة، وأنا أتجول وسط المحلات التجارية في سوق حي (استلي) بالعاصمة نيروبي ببنطال عليه بقع سوداء، أو مهترئ لم أكن آخذه حتى مجاناً فضلاً عن أن أشتريه، والأدهى من ذلك إذا كان البنطال المشار في قائمة الملابس الباهظة الثمن التي لا يستطيع شراءها سوى الطبقة الوسطى كموضة جديدة.

ظاهرة ارتداء الملابس المهترئة والمرقعة تحت الركبة أو فوقها أحياناً أمر لافت في أوساط الشباب، وقد تصبح أحياناً من قبيل المساواة بين الغني والفقير عن غير قصد، كم أشعر أيضاً بالخجل عندما أرى من يرتدي بنطلوناً مرقعاً، سواء كان ذكراً أم أثنى، ويكثر الخجل حينما ترتدي الأنثى ذلك النوع من البنطلون وتظهر جسدها الفاتن.

أصبحت رقع الملابس من الموضة الحديثة التي انتشرت كثيراً في الآونة الأخيرة؛ حيث أصدرت بيوت الأزياء قطع ملابس مرقعة عند الجيوب أو الأكمام بموديلات مختلفة ومتنوعة، وأصبح سائداً مفهوم أن أكثر الملابس جودة وأكثرها تماشياً مع الموضة الحديثة أن ترتدي ملابس بالية مهترئة وفي نفس الوقت لا تستر حتى العورة المغلظة.

يرى المراقبون والخبراء أن الأمر يتجاوز رغبات الشباب، بل يعتبرون تلك الرغبات نتيجة، وليست سبباً في مسألة ولع الشباب بالموضة، ففي عصر ثقافة الصورة التي تسود العالم، وفي عصر الفضائيات والإنترنت، أصبحت شركات الأزياء أكثر قدرة على الترويج لمنتجاتها وصراعاتها، واتخذت من الشباب فئة مستهدفة، فما أكثر المجلات والبرامج ومواقع الإنترنت، التي تعرض الجديد من كل موضة للشباب، وترغّبهم فيه، حتى أصبحت أخبار الموضة تنافس أكثر الأخبار الساخنة في مناطق الصراع.

لكن حينما يتعلق الأمر بالموضة والأزياء يلاحق الإخفاق والفشل للكثير من الرجال والنساء في هذا الاختبار، علماً أن المهم الانطباع الأول الذي تتركه عند الآخرين ويكون هذا واضحاً عند أول مقابلة لك أو لقاء مع مديرك أو أي شخص آخر، فإن الصورة الأولى أو الانطباع الأول يكوّن معنى لدى الشخص الآخر، ويبقى عالقاً يدوم في الأذهان، فهناك اعتقاد سائد بأن الثياب الثمينة تساوي الأناقة، وهذا خطأ أكبر، فالماركات العالمية لا تعني الأناقة أبداً، بل الذوق في اختيار الثياب، على سبيل المثال إذا اشتريت سترة باهظة الثمن بلون كحلي، ثم ارتديت معها بنطلون جينز مهترئاً، فضلاً أن يكون مرقعاً فأنت لم تتقدم في عالم الأناقة.

يبقى الجينز أحد أكثر الملابس المثيرة للاهتمام على مر الزمن، وخصوصاً لدى السيدات، إذ يخلق هذا النوع من الملابس ارتباطاً عاطفياً مع السيدة المرتدية به، ترى كارا نيكولاس من مصنع "كون دينم" التاريخي أن "الجينز ذا طابع شخصي جداً بفضل خصوصية ألوانه، فما إن تبدأ في ارتدائه حتى يظهر أثره في تركيبتك الشخصية، إنه شيء ترتديه على مر الوقت ويأخذ قالب الجسم والسمات الشخصية"، هذا هو الجينز العادي غير المرقع، فما بالك إذا كان الجينز الذي ترتديه تلك السيدة به خرق واسع لدى الركبة أو فوقها، فلا شك أنه يخلق أو يحرك العاطفة أو الغريزة الجنسية.

من المؤكد أن تشريع الإسلام وأمره بحسن المظهر والاهتمام بالهندام يتوافق كل التوافق مع الفطرة الإنسانية والطبيعة السوية التي يحرص عليها كل فرد ذي طبع سليم.

قال الله تعالى يمتن على عباده بنعمة اللباس ويذكرهم بصفاتهم الآدمية المميزة لهم عن غيرهم من المخلوقات: "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً" (سورة الأعراف: 26.(

نحن كمسلمين جعل الإسلام ستر العورة من الأمور الأساسية، إذ لا يؤدي المسلم الواجبات التي عليه من الصلاة ونحوها دون أن يسترها، فالبنسبة للرجال جعل الإسلام عورة الرجل ما بين السرة والركبة، والمرأة كلها عورة ما عدا الوجه والكف، على المذهب السائد، مع الخلافات التي حول المسألة، ولذلك الاهتمام به والعناية به أمر حث عليه ديننا الحنيف، فليس صحيحا بحال من الأحوال أن تؤثر الموضة الجديدة على الأزياء والملابس وتعود الإنسان إلى أصله.

رغم تباين الآراء حول موضع الموضة والهوس بها فإن المتأمل إلى واقع الشباب اليوم أن المظهر الخارجي أصبح من الأولويات التي يوليها الجميع من مختلف الأعمار والمستويات الثقافية الكبيرة من الاهتمام والوقت والمال.

ويرى بعض اختصاصيي علم النفس والاجتماع أن الشباب بصفة عامة والمراهقين والمراهقات خصوصاً يبحثون عن التفرد والبروز وجلب الانتباه والحصول على القبول الاجتماعي، وأن المظهر الخارجي هو شكل من التعبير، والتواصل يعكس جوانب من شخصية الفرد، كما أن هذه الفئة بسبب عدم اكتمال نضجها الفكري عرضة أكثر من غيرها للتأثيرات الخارجية من وسائل الإعلام المتنوعة، فليس من الغريب أن تكون ضحايا الموضة أغلبهم من المراهقين.

من الصعب الوصول في هذا الموضوع إلى استنتاجات جازمة، ذلك أن الأمر ذو أوجه متعددة قد تصل إلى التناقض، فلا يمكن لأحد أن ينكر أهمية الاعتناء بالمظهر الخارجي في التواصل الاجتماعي، ولا يمكن أيضاً الجزم بأن اللباس مجرد شكل لا يعكس باطن الإنسان.

فهناك نظريات نفسية تؤكد أن اختيار الملابس وألوان معينة يعكس شخصيات مختلفة، ورغم اختلاف وتعدد وجهات النظر في ما يتعلق بمدى الاهتمام بالموضة الحديثة واتباعها فإن ما يتفق عليه الجميع أو أكثرهم هو الاهتمام بالمظهر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.