المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كمال المصري  Headshot

لبنان: بين "اتفاق الطائف" و"استقالة الرياض"

تم النشر: تم التحديث:

ما بين يوم وليلة أصبح رئيس الوزراء اللبناني سعد الدين الحريري حديث العالم؛ حين ظهر يوم السبت الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2017م من الرياض بالمملكة العربية السعودية ليُعلن عن استقالته من رئاسة الحكومة في لبنان، وليهاجم إيران معتبراً أنه "لإيران رغبة جامحة في تدمير العالم العربي"، مشدداً على أنه "أينما حلّت إيران، يحل الخراب والفتن"، ويشير إلى "حزب الله" اللبناني بأنه يتعاون مع إيران، وأن "إيران وَجدت في بلادنا من تضع يدها بيدهم"، مؤكداً رفضه "استخدام سلاح حزب الله ضد اللبنانيين والسوريين"، مشيراً إلى أن "حزب الله فرض أمراً واقعاً في لبنان بقوة السلاح".

هذا الخطاب المفاجئ للحريري جاء دون مقدمات أو إرهاصات أو مؤشرات؛ بل على العكس جاء مناقضاً لمقدماته، حيث كان الحريري قد التقى في بيروت قبلها بيوم واحد فقط مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي.

فلماذا جاءت الاستقالة المفاجئة؟ ولماذا جاءت بهذا الشكل؟ هذا ما ستكشفه الأيام.

لكنني هنا سأقف أمام محطات ربما توضح شيئاً، أو تفتح أفقاً لفهم ما حدث، وربما تكشف طريقاً لتوقع ما هو آتٍ:

المحطة الأولى: اتفاق الطائف

يمكن اعتبار عام 1952م باكورة العلاقات بين السعودية ولبنان، حين زار كميل شمعون، أول الرؤساء اللبنانيين، المملكة العربية السعودية، بعد تسلمه سدة الحكم عام 1952م على رأس وفد رسمي رفيع، وكان شمعون موضع حفاوة من الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، واتفق البلدان على أهمية الحوار والتفاهم، وضرورة التعاون والتعاضد بينهما.

ويعتبر "اتفاق الطائف" أهم حدث ظهر فيه الدور السعودي في لبنان؛ فهذا الاتفاق أنهى حرباً أهلية في لبنان استمرت أكثر من خمسة عشر عاماً (من 13 أبريل/نيسان 1975م إلى 13 أكتوبر/تشرين الأول 1990م)، و"اتفاق الطائف"، وهو الاسم الذي عُرفت به وثيقة الوفاق الوطني اللبناني التي وضعت بين الأطراف المتنازعة في لبنان، جاء لينهي تلك الحرب، وقد تم ذلك بوساطة سعودية في 30 سبتمبر/أيلول 1989م في مدينة الطائف السعودية، وتم إقراره بقانون بتاريخ 22 أكتوبر/تشرين الأول 1989م.

وقد اشتمل الاتفاق على أربع مواد؛ أكدت أولاها على استقلال لبنان وهويته العربية وشكله السياسي كدولة جمهورية برلمانية ديمقراطية، ونصت على مجموعة من الإصلاحات السياسية والإدارية.

ونصت المادة الثانية على ضرورة بسط كل سيادة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية، وعلى حلِّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وتعزيز قوى الأمن الداخلي والقوات المسلحة، وحلِّ مشكلة المهجرين، وتأكيد حق المهجَّرين بالعودة إلى الأماكن التي هُجِّروا منها.

وفي المادة الثالثة أكدت الوثيقة ضرورة العمل على تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 425.

أما المادة الرابعة والأخيرة فقد كانت عن العلاقات اللبنانية - السورية؛ حيث أكدت العلاقات المميزة التي تجمع لبنان وسوريا، والتأكيد على أن لبنان لا يسمح بأن يكون ممراً أو مركزاً لأي نشاط يستهدف الأمن السوري، كما يؤكد حرص سوريا على الأمن والاستقرار في لبنان.

تفاصيل نص الاتفاق لمن يود الرجوع إليه

هذا الاتفاق، الذي اعتُبر وقتها من أكبر المبادرات العربية - العربية دون تدخل من أية جهة أخرى دولية، جاء بمبادرة شخصية من الملك فهد بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية وقتها، وتم برعايته، وكان شعاره فيه "الفشل ممنوع"، وهو ما استدعى منه صبراً وجهداً أمكنه من إنقاذ اجتماعات النواب اللبنانيين من الفشل، ووضع النواب اللبنانيين أمام مسؤوليات جسام؛ حيث إن الفشل في التوصل إلى اتفاق سيكون إيذاناً بدخول اللبنانيين في جولة حروب جديدة تقضي على ما تبقى من لبنان.

التذكير بهذا الاتفاق إنما هو للتأكيد على الدور السعودي الداعم للبنان، وأن علاقة لبنان بالسعودية ليست جديدة؛ بل وثيقة وقوية منذ زمن.

المحطة الثانية: تصريح روحاني ورد الحريري

في يوم الإثنين 23 أكتوبر/تشرين الأول 2017م قال الرئيس الإيراني حسن روحاني في كلمة متلفزة: "لا يمكن في العراق وسوريا ولبنان وشمال إفريقيا والخليج القيام بأي خطوة مصيرية دون إيران".

وقد قوبلت هذه التصريحات باستنكار شديد من قِبل رئيس وزراء لبنان سعد الحريري؛ الذي قال في تغريدة على حسابه في "تويتر": "قول روحاني ألا قرار يُتخَذ في لبنان دون إيران قول مرفوض ومردود لأصحابه"، مضيفاً: "لبنان دولة عربية مستقلة لن تقبل بأية وصاية وترفض التطاول على كرامتها".

تصريح روحاني ورد الحريري يمكن اعتبارهما جزءاً من علاقة متوترة أصلاً بين الحريري؛ بل وجميع الفصائل والأحزاب اللبنانية عدا "حزب الله"، وإيران، ومقدمة لنُذر تصعيدٍ من قِبل الطرفين، وهو ما نتج عنه استقالة الحريري وحديثه عن إيران وذراعها في لبنان "حزب الله".

كما رأى مراقبون أن الحريري بتصريحه هذا يحاول إخراج لبنان من دائرة السيطرة الإيرانية الكاملة التي طالما ساهم مسؤولون لبنانيون، من بينهم وزير الخارجية جبران باسيل، في دفع البلد باتجاهها، خصوصاً في ما يتعلق بسياساته الخارجية.

المحطة الثالثة: لقاء الحريري - ولايتي

كما أشرت سابقاً، التقى سعد الحريري بمستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي قبل استقالته بيوم واحد فقط؛ أي يوم الجمعة 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2017م.

الغريب في هذا اللقاء أنه لم يرشح عن تفاصيله شيء عما قاله رئيس الوزراء اللبناني فيه، وإنما كل ما صدر كان من الجانب الإيراني، وقد دار ما قاله ولايتي فيه على إشادته بدور قوات الجيش وقوات الأمن اللبناني في القضاء على عناصر "تنظيم الدولة (داعش)" في لبنان.

بيد أن ولايتي لم يُغفِل تذكير الحريري بأن "إيران تحمي استقرار لبنان" حسب قوله، دون أن يدلي بمزيد من التفاصيل، ولعل في هذا إشارة إلى ما حدث قبل 10 أيام من اللقاء؛ حين أعرب الحريري عن رفضه تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني التي لمّح فيها إلى تأثير طهران على القرار اللبناني، وهو ما تعرضت له في النقطة السابقة.

المحطة الرابعة: انطباعات زائر.. وملاحظات متابع

أي شخص يذهب إلى لبنان يكتشف بسهولة مدى تغلغل حزب الله في لبنان؛ بلهَ أن يكون مواطناً لبنانياً.

لقد زرت لبنان عدة مرات، وكان آخرها منذ بضع سنوات، وزرت فيها جنوب لبنان إلى أبعد نقطة ممكنة حتى تجاوزت نهر الليطاني في الجنوب، وكان جلياً لي أنني بمجرد دخولي الضاحية الجنوبية لبيروت قد دخلت دولة أخرى غير لبنان؛ فلا الأعلام هي الأعلام ولا الصور هي الصور؛ فالأعلام هي أعلام حزب الله، والصور هي صور قادة "حزب الله" و"شهداء" "حزب الله" أينما قُتلوا في لبنان أو في سوريا أو في أي مكان في العالم، وهذه المشاهد جلية جداً، ولا تحتاج أدنى مجهود لملاحظتها.

هذا عن المشاهدة؛ فإذا تحدثنا عن الممارسات يلفت انتباهنا مواقف "الدولة اللبنانية"، فعلى سبيل المثال على المستوى الخارجي نجد وزير الخارجية جبران باسيل -المحسوب على "تحالف 8 آذار" الذي عموده الأساسي "حزب الله" وصهر رئيس الجمهورية ميشال عون- الذي التقى، بناء على طلبه، وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وذلك في 21 سبتمبر/أيلول 2017م، ذلك اللقاء الذي رأى فيه نهاد المشنوق وزير الداخلية -المحسوب على "تحالف 14 آذار" الذي ينتمي إليه الحريري- تجاوزاً للبيان الوزاري، وإضراراً بالتضامن الحكومي، معتبراً أن ما جرى يعبّر عن تحوّل سياسي كبير، وليس عن خلاف صغير داخل الحكومة.

وقد تبع لقاء باسيل - المعلم حدثان: الأول الحديث عن زيارة متوقعة لرئيس جمهورية لبنان ميشال عون -المحسوب على "تحالف 8 آذار"- لسوريا، والتي رأى المراقبون وقتها أنها إن حدثت فهذا يعني استقالة الحكومة لتصبح حكومة تصريف أعمال فقط.

بينما كان الحدث الثاني فعلاً لا مجرد حديث، وهو قرار إعادة سفير لبنان إلى دمشق، وذلك وفق قرار وقعه الحريري بنفسه يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول 2017م، وهذا السفير هو سعد زخيا الذي حظي بموافقة الحكومة السورية عليه، ويمثِّل هذا القرار انفتاحاً كاملاً ومُعلَناً على النظام السوري.

أما على المستوى الداخلي فيكفي القيام بمقارنة بين حُكمَي القضاء في قضيتَيْ ميشال سماحة وأحمد الأسير؛ لنفهم مدى تغلغل ممارسات "تحالف 8 آذار" يتقدمه "حزب الله" في هذه الحكومة؛ فميشال سماحة الذي أدين بـ"تشكيل عصابة مسلحة بهدف النيل من أمن الدولة اللبنانية واغتيال شخصيات سياسية وميدانية، واستهداف عدد من الإفطارات الرمضانية، بالإضافة إلى نقل متفجرات من سوريا إلى لبنان"، واعترف بكل ذلك، حكمت عليه محكمة التمييز العسكرية بثلاثة عشر عاماً بعد أخذ وردٍّ؛ حيث كان حُكِم عليه بالسجن أربعة أعوام ونصف العام.

بينما أحمد الأسير فقد أصدرت المحكمة العسكرية، في قضية أحداث عبرا في يونيو/حزيران 2013م، حكماً بإعدامه وإعدام شخص آخر معه، وبالسجن مدد تتراوح بين خمسة أعوام وخمسة عشر عاماً لمجموعة أخرى، من بينهم الفنان المعتزل فضل شاكر الذي حُكِم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً، وقصة أحمد الأسير ومن معه يمكن تلخيصها أنها بدأت في 12 مايو/أيار 2012م حين وقعت اشتباكات مسلحة بين الجيش اللبناني ومتظاهرين ينتمون إلى التيار الإسلامي المؤيد للثورة في سوريا، عندما حاولوا الاقتراب من مقر تابع للحزب السوري القومي الاجتماعي، وهو حزب لبناني يناصر النظام السوري.

وقصة الأسير تلقي بظلالها على ممارسات جزء من الجيش وقوات الأمن اللبناني التابعة لـ"تحالف 8 آذار"، والتي تكفي قراءة تاريخ صراع باب التبانة - جبل محسن بمدينة طرابلس كبرى مدن الشمال اللبناني، ومتابعة ما يحدث في مخيمات اللاجئين السوريين على الحدود اللبنانية السورية، يكفي ذلك لمعرفة ممارسات "جيش حزب الله" في لبنان.

المحطة الخامسة: ما قبل استقالة الحريري

سبقت استقالة الحريري مجموعة من التصريحات التي دلت على حالة التخبط التي تحيط بلبنان والمنطقة.

فكان هناك حديث كبير حول سيطرة "حزب الله" على مفاصل الدولة اللبنانية، وبالطبع يغدو الحديث عن سلاح الحزب على صدارة قائمة هذا الحديث؛ فـ"حزب الله" هو الميليشيا الوحيدة التي لم تلتزم بـ"اتفاق الطائف" الذي نصت مادته الثانية على حلِّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وهو ما لم يحدث في حالة "حزب الله".

بل إن الرئيس اللبناني ميشال عون ذهب إلى أبعد من ذلك؛ حين اعتبر، في زيارة قام بها إلى القاهرة في فبراير/شباط 2017م، أن سلاح حزب الله لا يتعارض مع الدولة، وهو جزء مهم من الدفاع عن لبنان، ثم كرر عون هذا التصريح مؤخراً عندما صرح بأن لبنان بحاجة إلى سلاح حزب الله؛ لأن الجيش ما زال ضعيفاً.

ثم عاد عون ليقول في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2017م في حوار مع مؤسسات إعلامية بمناسبة مرور عام على توليه الرئاسة: "إيران موجودة ولها تأثيرها، ولا أطماع لها في لبنان"، ولم يكتفِ عون بذلك؛ بل وصف الدولة اللبنانية بقوله: "الدولة كانت مهترئة و"منتهية الصلاحية" عندما استلمناها، بما فيها مجلس النواب".

ويبدو أن هذه التصريحات قد أثارت حفيظة السعودية؛ إذ صرح في اليوم ذاته وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان، خلال زيارة الحريري للرياض، بأن لبنان "أصبح أسيراً لميليشيا حزب الله الذي يمارس أعمال قتل وتدمير، ويستهدف دولنا في الخليج بشكل مباشر"، وقال السبهان: "حزب الله حزب شيطاني إرهابي، والمسألة ليست تطيير الحكومة؛ بل يجب تطيير حزب الله، وكما قضينا على "داعش" و"القاعدة" سنقضي على الجسم السرطاني الموجود في لبنان، ونحن قادرون، وعلى قادة ميليشيا حزب الله أن يعوا مسؤولياتهم؛ لأنهم سيُحاسَبون على كل ما قاموا به، ويوم المحاسبة قريب".

ثم حذَّر السبهان من أن لبنان "أصبح كقنبلة موقوتة قد ينفجر بأي لحظة بسبب وضعه الاقتصادي، وبسبب كل ما يقوم به حزب الله"، منهياً كلامه بالقول: "الآتي سيكون مذهلاً بكل تأكيد".

ولفت السبهان إلى أن مَن يعتقد أن تغريداته موقف شخصي "يعيش في الوهم، وسيرى في الأيام المقبلة ما سيحصل"، موضحاً أنه توجَّه بتغريداته إلى "الحكومة (اللبنانية)؛ لأن الحزب ممَثَّل فيها".

ثم أتت بعد هذه التصريحات بثلاثة أيام تصريحات مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، وبعد لقائه بالحريري، والتي تحدث فيها عقب انتهاء اللقاء عن "الانتصارات" التي تحققها إيران على امتداد المنطقة؛ لتحرج الحريري أشد الحرج.

هذه التصريحات كلها كانت ضاغطة ولا شك على الحريري؛ فهو رئيس حكومة في دولة "مهترئة" بحسب رئيس الدولة، وهي دولة "أسيرة" لميليشيا "حزب الله" بحسب السبهان، كما أنها دولة يصرح رئيسها بأن إيران تتواجد فيها، وفيها ميليشيا تابعة لإيران وتحمل السلاح، ولم يكتفِ عون بذلك بل دافع عن هذه الميليشيا وسلاحها.

المحطة السادسة: استقالة الحريري

جاءت استقالة الحريري من رئاسة وزراء لبنان في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2017م، وسط هذا اللغط، وقد أعلن الحريري استقالته من الرياض، وهاجم إيران و"حزب الله".

ثم جاء الصاروخ الباليستي الذي أطلقته ميليشيا الحوثي من اليمن نحو مطار الملك خالد بالرياض وتصدت له السعودية؛ ليزيد الوضع اشتعالاً، فتهاجم السعودية كذلك كلاً من إيران و"حزب الله" هجوماً عنيفاً اعتبره بعض المراقبين "إعلان حرب"، وصرحت السعودية بأن الصاروخ إيراني الصنع قام بتركيبه وإطلاقه من اليمن على السعودية عناصر من "حزب الله" اللبناني.

ثم أعلنت السعودية عن قيامها بغلق أجواء اليمن وسد منافذه البرية والبحرية رداً على هذا الاعتداء عليها.

وهنا تثار تساؤلات عدة:
- لماذا أعلن الحريري استقالته من الرياض وليس من بيروت؟
- هل للسعودية دور في هذه الاستقالة؟ وهل السعودية هي من كتبت الاستقالة وأجبرت الحريري على قراءتها كما ادعت إيران و"تحالف 8 آذار"؟
- ما سبب استقالة الحريري في هذا التوقيت بالذات؟
- ليتم تفعيل الاستقالة يجب أن يسافر الحريري إلى لبنان ويقدمها للرئيس اللبناني رسمياً؛ فهل سيفعل؟ ومتى؟

لا يملك أحد الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها؛ لكن قبل الدخول في أية تفاصيل ما يمكن قوله بوضوح هو أمران:

- أن إعلان الحريري استقالته من الرياض هو خطأ كبير دبلوماسياً وسياسياً، ويفتح أبواباً من التكهنات حول الدور السعودي فيها؛ خصوصاً في ظل تصريح السبهان بعد لقائه بالحريري خلال زيارته الأولى للرياض، والتي سبقت الزيارة التي أعلن فيها الاستقالة بأربعة أيام؛ فقد غرد الوزير السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان بأنه والحريري قد اتفقا "على كثير من الأمور التي تهم الشعب اللبناني"، فهل الاستقالة مما تم الاتفاق عليه؟

- أن "حزب الله" بالفعل هو دولة داخل دولة لبنان؛ بل هو دولة فوق الدولة، له ما ليس لأي أحد في لبنان، يفعل ما يشاء دون رقيب أو حسيب، ويكفي أنه أدخل لبنان في حرب لا ناقة فيها ولا جمل مع إسرائيل عام 2006م.

نعلم أن الوضع الفترة السابقة في لبنان، وإن كان بدا هادئاً، إلا أنه ليس كذلك؛ فالوضع مذ تم الاتفاق بين الفرقاء في لبنان على انتخاب عون رئيساً والحريري رئيساً للوزارة هو وضع هشٌّ وعلى صفيح ساخن؛ فحين قرر الزعيم المسيحي رئيس "حزب القوات اللبنانية" سمير جعجع بأن يتخلى عن ترشحه، وأن يدعم عون (مسيحي ماروني)، بالرغم من العداوة الشديدة بين الرجلين منذ الحرب الأهلية، واحتفلا بما سموه "زواجاً مسيحياً"، ثم جاءت بعدها موافقة الحريري المفاجئة على عون؛ فإن هذا التحرك قد لاقى شجباً من أعضاء حزب الحريري نفسه "تيار المستقبل" قبل أن يلقى الشجب ذاته من أطراف أخرى.

وهناك مسائل كثيرة شهدت خلافاً بين طرفي الحكومة اللبنانية حولها؛ كقضية الانتخابات البرلمانية، والموقف من سوريا؛ بل والعلاقات الخارجية بأسرها، وبالتأكيد فإن "حزب الله" وسلاحه وعلاقته بإيران على رأس هذا الخلاف.

هذا الوضع الهش ظهر جلياً بعد استقالة الحريري؛ إذ أيد رئيس "حزب القوات اللبنانية" سمير جعجع الاستقالة، مردداً مخاوف رئيس الوزراء السابق، ومعتبراً أن "رئيس الحكومة سعد الحريري استقال؛ لأن حزب الله بات شبه حاكم في لبنان"، ومضيفاً أن استقالة الحريري ليست سبب المشكلة في البلاد، بل هي التعبير عن وجود مشكلة في لبنان.

أما الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان، فقد كان أكثر وضوحاً؛ إذ بيَّن في تصريحات تلفزيونية أنه يُحيي رئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري على موقفه، وأكمل: "إن المطلوب الآن من رئيس الجمهورية هو المباشرة بتحييد لبنان"، وفي إشارة إلى دور "حزب الله" في لبنان، وأكد أنه "لا يمكن لدولة أن تبني دولة داخل لبنان"، "ولا يمكن أن يكون هناك جيشان"، مطالباً "بسحب حزب الله من ســوريا، ووضع استراتيجية دفاعية"، ومشدداً على أن "التسويات يجب ألا تأتي على حساب سيادة لبنان".

وبالطبع جاءت ردود فعل "تيار المستقبل" مؤيدة للحريري؛ فقد اعتبر عضو المكتب السياسي في "تيار المستقبل، النائب السابق مصطفى علوش أن "الخطوة مفاجئة ولكنها ليست مستغربة، لا شك أن المواجهة وصلت إلى مرحلة القرارات الكبرى، ولا يمكن للرئيس الحريري أن ينأى بنفسه على الرغم من بعد كل المحاولات للتسوية وتأمين الاستقرار التي تبدو أنها غير متوافرة، وعلى الرغم من أن طبيعة حزب الله العسكرية والأمنية والعقائدية التي تسوّغ لنفسها كل ما يمكن من أعمال العنف ونقض العهود، وضرب الاستقرار بعرض الحائط؛ لذلك أي تسوية تبقى مؤقتة في ظل وجود حزب الله على الأرض".

بينما حلَّل الكاتب السياسي إلياس الزغبي سبب الاستقالة "بأن الرئيس الحريري اكتشف، ولو متأخراً، أن ما عُرف بالتسوية، أو ما عرف لاحقاً تحت عنوان الاستقرار الداخلي في لبنان، ومن ثم الوحدة الوطنية التي تحدث عنها رئيس الجمهورية ميشال عون أخيراً، كلها كانت عناوين لخدعة خطيرة قادتها إيران عبر ذراعها المتجسدة بحزب الله، وحين تأكد الحريري من هذا التوجه الخطير لوضع اليد نهائياً على لبنان سيادة وحكماً وحكومة وقراراً واستقلالاً آثر أن يُقدِم على هذه الخطوة الشجاعة التي ربما كنا نحن ننتظرها منذ فترة أبعد" بحسب الزغبي.

وفي الجهة المقابلة كانت التصريحات المعترضة على الاستقالة، التي انصبت جميعها على أنها خيار سعودي لا لبناني، وأن الحريري ربما كان مرغماً عليها.

ففي إيران اعتبر حسين أمير عبد اللهيان المساعد الخاص لرئيس مجلس الشورى الإيراني للشؤون الدولية، أن إعلان سعد الحريري استقالته من رئاسة وزراء لبنان "إجراء متسرع"؛ فيما أكد مستشار وزير الخارجية الإيراني حسين شيخ الإسلام أن استقالة الحريري "جاءت بترتيب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من أجل توتير الوضع في لبنان والمنطقة"، وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، في تصريحات صحفية: "إن استقالة الحريري والاتهامات المكررة الواهية هي سيناريو صهيوني سعودي أميركي لتأجيج التوتر في لبنان والمنطقة".

أما لبنانياً فقد أعلن عضو المجلس المركزي لـ"حزب الله"، نبيل قاووق، أن "مملكة الخير تستهدف الاستقرار، ولا تريد الخير، وتسعى لإغراق لبنان بالفتنة"، على حد تعبيره.

فيما اعتبر الرئيس اللبناني ميشال عون الاستقالة في حكم اللاموجودة حتى يحضر الحريري ويقدِّمها بنفسه له.

وهكذا تبقى الأسئلة، وللإجابة عنها كلها، هناك أمر بسيط يمكن فعله، وهو عودة سعد الحريري لبيروت، ووقتها يقدم استقالته أو لا يفعل؛ فلماذا لا يفعل؟

الحريري تحدث عن خشيته على حياته في العاصمة اللبنانية بيروت، وهو ما كان سبباً له للانتقال إلى المملكة العربية السعودية، وإلقاء خطاب استقالته وتقديمها من هناك، مستشهداً بأن الوضع في لبنان في الوقت الحالي يشبه الوضع الذي كان موجوداً قبيل اغتيال والده، رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005م، ولم تظهر بعد تفاصيل هذا الاغتيال، إلا أن موقع قناة العربية أشار، بحسب مصادر له، إلى إحباط محاولة اغتيال سعد الحريري في بيروت قبل أيام؛ حيث قام مخططو اغتيال الرئيس الحريري بتعطيل أبراج المراقبة خلال تحرك موكبه.

وحول حادثة الاغتيال تلك فقد أكدت قوى الأمن الداخلي اللبناني، في بيان لها في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2017م، أن الأنباء عن إحباط فرع المعلومات التابع لها محاولة اغتيال سعد الحريري غير صادرة عنها، وبالتالي ليست هي مصدر هذه الأنباء، وأضافت أنه ليست لديها معطيات حول محاولة الاغتيال.

فهل الحريري بالفعل تعرض لمحاولة اغتيال ويخشى من تكرارها إذا عاد أم هو محتجز في السعودية سواء لأسباب سياسية ليكون محارباً بالنيابة عن السعودية في وجه إيران، أو لأسباب مالية مرتبطة بقضايا فساد بسبب شركة عائلته "سعودي أوجيه" أو لعلاقاته بمن تم القبض عليهم من أمراء ومسؤولين بتهم فساد؟

وغني عن الذكر أن هذا الحديث يسبح في بحر من النقولات، ويكاد يغرق في مستنقع من التحليلات؛ فمن قائل إن السعودية استعدت إسرائيل لتضرب لبنان، وهناك من خاض بأنه قد تم أمر سعد الدين الحريري بالاستقالة لتعيين أخيه الأكبر بهاء الدين الحريري مكانه، وأخيراً أتانا روبرت فيسك برواية احتجاز الحريري منذ وصوله المطار في الرياض، وأخذ كل وسائل الاتصال منه ومن وفده المرافق وهم في الطائرة، ونقلت رويترز رواية شبيهة، وغير ذلك كثير، بين قول ورده، وتحليل ورفضه، الجميع يرغي ويزبد، ولن أخوض في أي منها لعدم القدرة على التثبت من صحة هذه المعلومات، والتأكد من مصداقية التحليلات.

وبعد هذا كله تتبقى الأسئلة كما هي حول حقيقة استقالة الحريري، وعن الدور السعودي في هذه الاستقالة، وهل يملك الحريري العودة للبنان أم لا؟ والإجابة الوحيدة يملكها سعد الحريري نفسه وهو يركب طائرته عائداً إلى وطنه.

المحطة السابعة: هل حقاً هناك حرب بين إيران وإسرائيل؟

أزمة استقالة الحريري فتحت الحديث عن علاقة "حزب الله" بإسرائيل؛ حين صرح الأمين العام للحزب حسن نصر الله في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2017م بأن "السعودية طلبت من إسرائيل ضرب لبنان، وهي (السعودية) حاضرة أن تُقدِّم عشرات ومليارات الدولارات لذلك".

وبالطبع لا يخفى على أحد أن علاقة "حزب الله" بإسرائيل تعني علاقة إيران بإسرائيل، وهنا يكمن السؤال: هل حقاً هناك حرب بين إيران وإسرائيل؟

ربما أكون أسيرُ ضد التيار السائد حين أرى أنه لم تكن هناك حرب يوماً بين إيران وإسرائيل، ولن تكون طالما قواعد اللعبة بينهما لم تتغير.

الواقع يقول: إن إيران منذ تحولت إلى جمهورية إسلامية على يد الخميني في فبراير/شباط 1979م لم تقُم بأي فعل حقيقي تجاه إسرائيل، وكانت الحرب بينها وبين إسرائيل "حرباً صوتية" لا تتعدى التصريحات المتفجرة، والتعليقات الموقوتة، أما الفعل فصفر كبير، إنها حرب "أسمع جعجعة ولا أرى طحناً".

والحال ذاته مع الولايات المتحدة الأميركية؛ فإيران لم تقُم بأي فعل ضد الولايات المتحدة أو "الشيطان الأكبر" كما سماها الخميني، بل إن الأمر أكبر من ذلك؛ فحين لاحت مساحة التقاء مادية بين الطرفين، والتي كانت العراق بعد إسقاط صدام حسين في 9 أبريل/نيسان عام 2003م، وجدنا تعاوناً فريداً، وتفاهماً فذاً بين إيران وأميركا، وتم تقسيم "غنيمة" العراق بينهما بكل سلاسة، وبدون أي نوع من أنواع التصادم أو الخلاف، الأمر الذي يدل على وجود ترتيب مسبق بينهما.

والأمر ذاته يحدث في سوريا؛ فبالرغم من تواجد قوات للطرفين على أرضها، وبالرغم من أنهما ينتميان لاتجاهين مختلفين، فإننا لم نسمع مرة عن وقوع أي نوع من أنواع الاشتباك بينهما.

حتى حرب لبنان 2006م، والتي بدأت في 12 يوليو/تموز حين قرر "حزب الله"، المعروف بانتمائه لإيران أكثر من انتمائه للبنان، حين قرر الحزب أسر جنود إسرائيليين لتحرير عدد من أسراه في المعتقلات الإسرائيلية؛ فشن الحزب عملية "الوعد الصادق" التي أدت إلى أسر جنديين إسرائيليين، فتدخلت قوات من جيش الدفاع الإسرائيلي وتجاوزت الجدار الحدودي، ودخلت الأرض اللبنانية، وتبع ذلك هجوم جوي على الجنوب اللبناني استهدف محطات الكهرباء ومطار بيروت وشبكة الجسور والطرق، واشترك في القتال كذلك قوات بحرية إسرائيلية، واستمرت الحرب 34 يوماً، ودُمِّرَت فيها البنية التحتية للبنان، وتهجَّر أكثر من 600 ألف لبناني، وعارضها قطاع كبير من اللبنانيين، وبالرغم من الدمار الذي حلَّ بلبنان فإن "حزب الله" اعتُبر منتصراً لفشل إسرائيل في القضاء على الحزب، وصرح أمين عام "حزب الله" حسن نصر الله قائلاً: "إن مقاتلي الحزب سطروا نصراً تاريخياً ليس للبنان فقط بل لكل الأمة".

حتى حرب لبنان 2006م هذه، لم تكن في حقيقتها حرباً ضد إسرائيل أو لتحرير فلسطين، وإنما كانت لرغبة أحد الطرفين أو كليهما في تغيير قواعد اللعبة بينهما؛ فعمليات الأسر ليس أمراً جديداً في سجل العمليات العسكرية بين الطرفين، ففي عام 2003م أسر "حزب الله" ثلاثة من الجنود الصهاينة، وفي عام 2005م نفذ "حزب الله" هجوماً على القوات الصهيونية، واستمر الوضع هكذا، هجومات من "حزب الله"، فيما يكتفي الجيش الإسرائيلي بردٍّ محدود عبر قصف محدود لا يتخطى مستوى معيناً من "العنف"؛ ليتفاوض الطرفان بعدها عبر وسيط ثالث، ويتم تبادل الأسرى، وتوتة توتة.. خلصت الحدوتة، ويؤكد هذا ما صرح به حسن نصر الله للتلفزيون اللبناني ولصحيفة "الحياة" اللندنية في سبتمبر/أيلول 2006م بعد انتهاء حرب لبنان 2006م: "لو علمنا أن عملية الأسر ستقود إلى هذه النتيجة لما قمنا بها قطعاً".

غير أن الأمور في حرب لبنان 2006م لم تسِر كما كان متوقعاً؛ فماذا تغيَّر هذه المرة؟ إن الإجابة على هذا السؤال تكمن في الخطاب الذي أدلى به حسن نصر الله عقب العملية، حيث أفاض نصر الله في الحديث عن قواعد جديدة للعبة، غير عابئ بأي تصعيد إسرائيلي مهما بلغت بشاعته.

إن المفتاح لفهم المواجهة بين "حزب الله" وإسرائيل يكمن في فهم قواعد اللعبة بين الطرفين، ويمكن تلخيص الأمر هنا بالتالي:

لم يتم الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000م إلا وكان الطرفان ("حزب الله"، وإسرائيل) قد توصلا إلى مجموعة من قواعد اللعبة التي تحكم حركة كل منهما في الجنوب اللبناني، تمثلت هذه القواعد، في المبادئ الثلاثة التالية:

1- اعتراف بالخط الأزرق الذي قررته الأمم المتحدة على أساس القرار 425، الأمر الذي يمنع نشاط "حزب الله" على طوله، وفي ما وراءه.

2- مزارع شبعا متروكة للنشاط العسكري لـ"حزب الله" بصفتها أرضاً محتلة.

3- مبدأ "العين بالعين" الذي يقضي بأن يرد "حزب الله" على إسرائيل بأعمال مشابهة لتلك التي تنفذها.

وفي ظل قواعد اللعبة هذه، كانت مزارع شبعا ساحة ما بين الطرفين لضبط إيقاع الآخر، وتعامل "حزب الله" وفق قواعد اللعبة، وحصر نشاطه ضد إسرائيل في مزارع شبعا فقط؛ فلم نسمع عن عمليات للحزب خارج هذه المنطقة.

وقواعد اللعبة هذه كانت بالتأكيد نتيجة للظروف الدولية والإقليمية، إضافة إلى قوة كل طرف وما يملكه من أدوات للردع، غير أنه منذ الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000م والطرفان يترقبان ظرفاً مناسباً لتغيير قواعد اللعبة كلٌّ لصالحه، حاول "حزب الله" ذلك، وحاولت إسرائيل كذلك، وكانت هناك تخمينات للاستخبارات الإسرائيلية في عام 2002م بأن "حزب الله" يهيئ لإسرائيل كميناً استراتيجياً سيؤدي إلى فتح الجبهة الشمالية.

ومع دخول واشنطن على الخط اللبناني والأحداث التي شهدتها بيروت منذ اغتيال رفيق الحريري عام 2005م، برزت قوى جديدة داخل لبنان، وبدا الأمر وكأن "حزب الله" سوف يخسر كثيراً من نجاحاته في الداخل اللبناني؛ فحاول الالتفاف على المشروع الأميركي للبنان الجديد، غير أنه لم ينجح؛ فكان لا بد من عمل عسكري لإعادة ترتيب قواعد اللعبة، فكانت عملية "الوعد الصادق" التي كان من الواضح أن الجيش الإسرائيلي ينتظرها لإعادة ترتيب قواعد اللعبة لصالحه هو الآخر؛ فالرد الموسَّع للجيش الإسرائيلي يؤكد أن خطط العمليات العسكرية على لبنان كانت معدّة سلفاً، وهو أمر كان متوقعاً؛ إذ بعد تولّي إيهود أولمرت لرئاسة الوزراء الإسرائيلية كان أول الملفات التي عُرضت عليه الملف المتعلق بـ"حزب الله" وترسانة الصواريخ الموجودة لديه، والتي يمكن أن يصل مداها حتى مدينة هرتسيلسا على مشارف تل أبيب، ووفقاً لهذه المعطيات، كان أولمرت في حاجة إلى مبرر للتحرك من أجل ترتيب الأوضاع في لبنان، وهو ما أشار إليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إبان حرب لبنان 2006م بقوله: "أعتقد أن إسرائيل تسعى من خلال حملتها العسكرية إلى تحقيق أهداف أوسع من استعادة الجنديين المخطوفين".

من هنا كانت حرب لبنان 2006م، وكان نزاع "حزب الله" وإسرائيل، فلم يكن الأمر أكثر من محاولة كل طرف فرض قواعد جديدة للعبة، والحديث عن قواعد اللعبة هذه كنت تحدثت عنه بكثير من التفصيل أثناء حرب لبنان 2006م، وقد لاقيت وقتها بسببه ما لاقيته من اتهامات بالتخوين والعمالة.

لنعُد إلى واقعنا اليوم؛ لنؤكد أن أكذوبة وقوع حرب بين إيران وإسرائيل ما هي إلا ذريعة يتذرع بها الطرفان دوماً لتحقيق مآرب من ورائها، وأن العلاقة بينهما في الحقيقة تحكمها قواعد متفق عليها، ويسيران عليها.

وبانتهاء هذه المحطات السبع ينبغي أن أشير إلى أن للمملكة العربية السعودية تاريخاً إيجابياً في مواقفه من لبنان، وأتمنى ألا يتغير هذا التاريخ؛ حيث من الواضح أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يسلك طريقاً يخالف فيه ما عهدته السعودية داخلياً وخارجياً، ويرى كثير من المراقبين والمختصين أنه طريق يجانب الصواب، ويبتعد عن الخط العربي والإسلامي.

كان "اتفاق الطائف" الطريق لبناء لبنان الجديد منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً، أتمنى ألا تكون "استقالة الرياض" المِعْوَل الذي يهدم لبنان الجديد هذا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.