المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كمال المصري  Headshot

٩خطوات: طريقك للكتابة المحترفة

تم النشر: تم التحديث:

يقول إرنست همنغواي: "عليك أن تبدأ، عليك أن تكتب وتكتب، حتى يشعر الواحد منا فجأة أن الأشياء تخرج بمفردها، كأن شخصاً ما يمليها علينا، أو كأن أحداً آخر هو من يكتب".

نعم الكتابة ممارسة
بالتأكيد هي مهارة وملكة وموهبة؛ لكنها بالتأكيد ممارسة، والموهوب الممارس يتفوق بمراحل على غير الموهوب الممارس؛ لكن في الأحوال كلها غير الموهوب الممارس كاتب، وكاتب جيد إذا ألمَّ بقواعد الكتابة وأصولها، وكثيراً ما جعلت الممارسة غير الموهوب يتفوق على الموهوب.

إذن في كل الأحوال علينا أن نكتب، ولكن قبل أن نشرع في الكتابة علينا أن نعرف ما أُسس الكتابة وقواعدها، وهي:

- القراءة كنز لا يفنى
كي يصبح الإنسان كاتباً جيداً عليه أولاً أن يكون قارئاً جيداً، إنها أولى خطوات الكاتب وأهمها، وكما يقول المثل: كل إناء بما فيه ينضح؛ فإذا كان إناؤك فارغاً فكيف ستستطيع أن تكتب عن أي شيء كتابة ذات قيمة؟

القراءة هي وسيلة المرء في عملية التثقيف الذاتي؛ وبالتالي هي زاد القلم ومداده.
ولنفهم كم من المعلومات يمكن أن نحصِّله من القراءة نقوم بحسبة بسيطة: لو افترضنا أن من سيقرأ في العشرين من عمره، وقرَّر أن يحصل على معلومة واحدة فقط كل يوم، إذن هي 365 معلومة في السنة، فلو قرأ هذا الشخص لمدة عشرين عاماً فقط، فتكون حصيلة معلوماته: 365×20= 7300 معلومة، ولنتخيل كم سيتضاعف هذا الرقم لو بلغ عدد المعلومات اليومية 5 أو 6 أو 10 معلومات.

فالقراءة خطوة أساسية في برنامج بناء الذات وخلق الوعي، والمطالعة هي مفتاح المعرفة، وكي تكون قراءةً حقيقيةً مؤسِّسة، يجب أن تكون متنوعةً متعدِّدة المشارب والعلوم، ولا تقتصر على ما نحبُّ من علوم دون غيرها، فنقرأ في معظم المجالات، ونهتم بمعرفة كل ما يمكننا معرفته.

لذا فالقراءة نوعان:
1- قراءة عامة:
وهذه قراءة مستمرة تكون ديدن الإنسان وعادته، يقرأ في كافة المجالات، ويُلِمّ بشيء أو أشياء عن كل شيء.

2- قراءة خاصة:
وهذه تكون عند الرغبة في كتابة عن موضوع ما؛ فقبل أن تمسك القلم أمسك كتباً تتحدث عن الموضوع نفسه الذي ترغب الكتابة فيه؛ حتى تتكون لك حصيلة علمية جيدة عن الموضوع، وحتى تثري مقالك بالنقولات والأفكار والعبارات البليغة.

إن الحرص على أن تكون القراءة موسوعية وليست في مجال واحد هي التي ستتيح بعد ذلك الكتابة في موضوعات مختلفة، وستثري القلم بتركيبات جديدة وجيدة، وستسمح بالتميز عبر الدمج بين المجالات التي تبدو بعيدة عن بعضها؛ فيتم استخدام علم الإدارة مثلاً في مجال التربية، وعلم الاجتماع في مجال السياسة، وهذه هي المقاربات التي التفت إليها العالم منذ سنوات؛ فظهرت علوم تجمع أكثر من مجال مع بعضهم بعضاً، ونَتاج ذلك هو بالتأكيد ما سيميز قلم من يكتب ويجعل له علامة خاصة به.

إن القراءة الكثيرة تثري حصيلتك الذهنية التراكمية بكلمات وعبارات وتركيبات بلاغية ستجدها تظهر تلقائيّاً وأنت تكتب؛ لذا عليك أن تقرأ كتباً بالمستوى الذي تود الكتابة به، فلن تتمكن من كتابة نص جيد إن كنت تهوى قراءة النصوص نصف الجيدة.

- للكتابة أصول:
فما كل من كتب قد كتب، وما كل من خطَّ قد أثَّر، وكلنا يشهد بانجذابه لكاتبٍ دون آخر واقتناعه بأحدهما رغم أنهما قد يكونان قد عالجا القضية ذاتها.

إن للكتابة أصولاً، نوجزها في:
1- تحديد الموضوع:
عليك أن تحدد الموضوع الذي تود الكتابة فيه، وليتك تراجع الهدف المراد من الكتابة في هذا الموضوع.

ثم بعد تحديد الموضوع، تبدأ مرحلة القراءة فيه، وبعد الإلمام به عليك أن تأتي بورقة وقلم "أو لوحة مفاتيح الحاسوب" وتقوم بكتابة التالي:
* حدد عناصر الموضوع.
* حدد العناوين الفرعية لكل عنصر إن وجدت.
* ضع كلمات دالة عن التفصيلات الجزئية لكل عنوان فرعي.
* جمع المعلومات.
* اكتب الشواهد والنقولات التي تود تضمينها مقالك.
2- في البداية ابدأ بدون مقدمات:
أي لا تشغل نفسك بالمقدمات المنمقة، فقط اكتب "بدون مقدمات"، وأنهِ مقالك بدون خاتمة.
اعتبر ما كتبته هو مسودة وليس مقالاً حقيقيّاً.
اكتب مرة واثنتين بهذه الطريقة حتى يتعود قلمك على الكتابة، وبعدها ستجد نفسك كاتباً.

3- في البداية لا تقلق من الأخطاء والنواقص:
وهذه نقطة أساسية وحاكمة يجب أن تتذكرها دائماً.
كل ما يخطر ببالك تستطيع كتابته، اكتب في البداية ما تريد، وتغاضى مبدئيّاً عن نقص المضمون أو الأخطاء اللغوية، ثم راجع الموضوع وصححه ما استطعت، لكن لا تفكر في هذا الأمر في البداية، وحاول تجربة ذلك على اعتبار أنها مسودة، ومرة تلو المرة تقل الأخطاء ويُتقَن المضمون.
تذكر دائماً أن الاهتمام بالأخطاء قد يبعدك عن الكتابة نهائيّاً.

4- اكتب وراجع:
اكتب مقالك وراجعه مرة واثنتين حتى تحسنه قدر استطاعتك، ولا بأس من التغيير فيه مرة واثنتين وثلاثة؛ حتى تصل لحالة الرضا التام عما كتبت.

5- اعرض ما كتبت على من تثق:
بعد أن تستقر على ما كتبت، اعرض ما كتبت على من تثق، واستمع لما يقول لك من ملاحظات وآراء، واستفد منها؛ فما وجدته ناقصاً استكمله، وما كان مبهماً بيِّنه، دعه يقل لك كل شيء بحرية، واستفد من كل كلمة سواء كانت إيجابية أو سلبية.

هذه الخطوة مهمة جدّاً لمن يريد أن يصبح كاتباً مرموقاً يشار إليه بالبنان.

6- اعرض ما كتبت على خبير:
افعل ذلك ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، لأن هذا يختصر لك المسافات والأوقات؛ فكلمة من كاتب خبير تعلِّم بطريقة مباشرة، وتوجِّه إلى الطريق الأقصر، وتحفِّز وتشجِّع.

أذكر أنه كانت تعمل معي مساعدة حديثة التخرج من كلية الإعلام، طلبتُ منها مرة أن تكتب؛ فقالت لي إنها لم تفعل من قبل؛ فشرحت لها مقدمات الكتابة وطلبت منها الكتابة، ولما وجدتها مترددة وخائفة من خوض التجربة قلت لها بوضوح: "اكتبي وسأرمي ما كتبتِه في سلة المهملات بعد أن أقرأه، لكن عليك أن تكتبي".

كتَبتْ مرة بالفعل؛ فصححتُ لها ما كتَبتْ وقوَّمتُه، وكتَبتْ ثانية، وثالثة، ورابعة، وفي إحدى المرات عرضتُّ موضوعها على صديق متخصص دون أن أخبره من الكاتب فما كان منه إلا أن قال موجهاً حديثه لي: "لقد كتبتَ مقالاً جيداً"؛ فقلت له: "هذا ليس مقالي وإنما مقال فلانة".

ومن يومها وهي تكتب دون توقف، والحمد لله رب العالمين.

7- حاول أن تنشر:
الأصل أن يكتب المرء لأجل الكتابة ذاتها لا بغرض النشر؛ والشاعرة إيميلي دكنسون كتبت 1775 قصيدة، بيد أنها لم تنشر منها في حياتها سوى 7 قصائد فقط، ونسبتها لمجهول!

لماذا استمرت في الكتابة؟
استمرت لأن المكافأة على الكتابة تكمن في الكتابة نفسها، الكتابة هي الرحلة والوصول، هي الوسيلة والغاية.
لكن لا مانع أبداً إن أتيحت لك الفرصة للنشر؛ لأن النشر مفيد من جوانب عدة.

لكن لا تنشر إلا بعد أن تتمكن من مقالك بدرجة مرضية، عندها حاول أن تنشر ما كتبت في أي مكان، والإنترنت اليوم يتيح مساحة ذهبية للكتابة دون قيد أو شرط.

انشر واستمع لآراء القارئين وتعلَّم منها، والإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي أتاحت فرصاً مذهلة للنشر والحصول على رجع الصدى سريعاً؛ فضغطةُ إعجابٍ أو عدم إعجاب تُعلِّم، وتعليقُ مؤيدٍ أو مختلفٍ أو شارحٍ أو مستنبطٍ تفيد، إن الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي لم تدع لأحد عذراً.

8- نوِّع في موضوعاتك:
من المفيد جدّاً أن ينوع الكاتب في موضوعاته ما استطاع، ولا يعتمد فقط على مجال واحد، والقراءة الموسوعية التي ذكرناها في النقطة الأولى تتيح لك ذلك بسهولة؛ لكن لا تستعجل هذه الخطوة، اتركها تأتي في وقتها المناسب.

9- إياك أن تتوقف:
الكتابة كما الماء، إذا ركد أسِن؛ فدع القلم يجري خاطّاً مداده وإياك والتوقف لأي سبب.

ختاماً..
القلم يحرك الصخر، وقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان لسحراً"، وأفلاطون أراد التخلص من كتَّاب أثينا كلهم لأنه كان خائفاً من كتاباتهم أن تثير الناس ضده.
تغلَّب على الصعوبات كلها واكتب، واتبع أصولها، والتزم بقواعدها، وستجد أنها بمرور الأيام قد حولتك لشخص آخر؛ مثقف، واثق، جريء، ذي همة عالية، يثبت وجوده حيثما ذهب أو حلَّ.

كثير منا من قد يملك مهارة الكتابة، ولكن لم تُتح له الفرصة ليكتشفها، وكم خسرنا أساليب كان من الممكن أن تحرِّك الجبال لو ظهرت ومارست وتدرَّبت.

من منا لم يسمع بكاتب عظيم اسمه "تشارلز ديكنز"؟ هل من الممكن أن نتخيل أنه كان من المحتمل أن نفقد هذا القاصَّ الرائع لولا مثابرته وتشجيع شخص آخر له؟ إن قصته باختصار تقول إنه كان طفلاً فقيراً لم تتسنَّ له فرصة التعليم، وكان يعمل عاملاً في مخزن بضاعة، وكان يبيت في عِلِّيَّة هذا المخزن هو وطفل آخر كان يعمل معه، وكان تشارلز يسهر ليلاً يكتب قصصه على أضواء شمعة، وكثيراً ما تعارك مع زميله بسبب الضوء والضوضاء التي يحدثها.

كان تشارلز يكتب قصصه ويرسلها للصحف دافعاً من جيبه الفقير ثمن هذا الإرسال، وأرسل قصة واثنتين وثلاثاً، ولصحيفة واثنتين وثلاث، ولم يُنشَر له شيء؛ حتى جاء اليوم الذي نشر له أحد محرري الصحف قصته، وحين رآها تشارلز حمل الصحيفة وأخذ يجري في الطرقات وعيناه دامعتان فرحاً بنشر قصته! لا أكون متجاوزاً إن قلت إن هذه اللحظة الحاسمة هي التي أوجدت لنا هذا المبدع، ولولاها لربما افتقدنا جدّاً متعة قراءة قصص لم نقرأ مثلها أبداً.

إن المثابرة والتشجيع أكبر درسين نأخذهما من صاحب "قصة مدينتين" و"ديفيد كوبرفيلد" و"أوقات صعبة" و"أوليفر تويست" و"الآمال العظيمة" وغيرها من الروائع.

الكتابة تمنح متعة ما بعدها متعة.
فاكتب.. فليس المرء يولد كاتباً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.