المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كمال المصري  Headshot

أزمة اللاجئين السوريين.. ولهم فيها مآرب أخرى

تم النشر: تم التحديث:

فجأة وبدون مقدمات تفجرت أزمة اللاجئين لأوروبا وأصبحت تتصدر عناوين الأخبار.
ويأتي اللاجئون السوريون (قُدِّروا بثلث أعداد اللاجئين) على رأس هؤلاء اللاجئين الذين تعرضوا لكافة أشكال القتل والظلم والإهانة، ما بين الغرق والموت بسبب البرد أو نقص الغذاء والدواء والتشرد والضرب والتجويع والإذلال والملاحقة وكل ما يخطر ببالك من قهر وامتهان للآدمية لا فرق في ذلك بين رجل أو امرأة أو طفل، شابٍّ أو مسنّ، صحيح البدن أو مريض، الكل يلقى المصير نفسه في عالم اللا إنسانية الذي نعيش فيه بل تموت فيه آدميتنا وأحاسيسنا كل يوم بكل أسف.
وبلا شك فإن أي إنسان ذي قلب ليموت حزناً وكمداً على ما يحدث، لكنني لست هنا بصدد كتابة مقالِ مواساةٍ أو ندبٍ لما يحدث رغم فجاعته، فغيري كثير قد كتب، أنا أكتب لأرصد مشهداً واحداً لفتني وشد انتباهي، ويكمن في سؤال: لماذ الآن؟.
لماذا ظهرت مشكلة اللاجئين السوريين الآن رغم أنها موجودة مذ تفاعلت الأزمة السورية وتحولت إلى حربٍ متعددة الأطراف والجهات داخلية وخارجية منذ ما يربو على أربعة أعوام؟
لماذا تم تصدير هذه الأزمة لأوروبا بالذات بهذا الشكل وهذا التوقيت؟
لماذا تعالت الأصوات، الأوروبية خاصة، بين مؤيدة لوجودهم في أوروبا ورافضة لذلك، بين داعية لاستيعابهم وأخرى مطالبة بإعادتهم إلى البحر الذي جاءوا منه؟
وقبل كل شيء.. لماذا ارتفع عدد اللاجئين عموماً إلى أوروبا بهذا الشكل في هذه الفترة القصيرة؟ ففي حين كان عدد اللاجئين حتى يوليو 2015 -بحسب المفوضية الأوروبية- 22 ألف لاجئ، وصل العدد في سبتمبر 2015 إلى أكثر من 120 ألف لاجئ!.
هل الأمر مجرد مصادفة أم كانت هناك أسباب أخرى؟
سنرصد بعض التصريحات أولا ثم نعلق:
- 4 سبتمبر أيلول 2015: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: "السوريون يهربون من (داعش) لا من الأسد، والغرب يتحمل مسؤولية أزمتهم".
- 8 سبتمبر أيلول 2015 سباستيان كورتس وزير الخارجية النمساوي: "يجب على الغرب ضم الرئيس السوري بشار الأسد وحليفتيه إيران وروسيا من أجل قتال (تنظيم الدولة)".
- 8 سبتمبر أيلول 2015 وزير خارجية إسبانيا مانويل مارغايو: "لقد حان الوقت لإجراء مفاوضات مع نظام بشار الأسد إذا أردنا أن لا تستمر هذه الحرب في توليد الفراغ الذي يستفيد منه (داعش) وتستمر في التسبب في مآسٍ إنسانية".
- 8 سبتمبر أيلول 2015: الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند: "لا ينبغي أن نقوم بما يُقَوِّي الأسد، خصوصاً أن العملية الانتقالية تعني مغادرة الأسد في وقت ما من العملية".
- 10 سبتمبر أيلول 2015: أعرب وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس عن أمله في "دعم أميركا وروسيا وإيران التوصل إلى تسوية تشمل عناصر من نظام الرئيس السوري بشار الأسد ومن المعارضة".
- 10 سبتمبر أيلول 2015: أوضح فيليب هاموند وزير خارجية بريطانيا أن بلاده قد تتفهم بقاء بشار الاسد رئيساً لسوريا لمرحلة انتقالية تمهيداً لنقل السلطة .
الناظر في هذه التصريحات يرى بوضوح مدى تغير الموقف الأوروبي من بشار الأسد؛ فعندما يصرح هولاند بأنه من الممكن "مغادرة الأسد في وقت ما من العملية" فهذا يعني أن مغادرته ليست شرطا قبل البدء في أية مفاوضات لحلِّ الأزمة السورية كما كان يشترط، وهو الأمر الذي أكده بصورة أوضح وزير خارجيته بحديثه عن محاولة الوصول لتسوية "تشمل عناصر من نظام بشار ومن المعارضة"، وهو ما فسره البعض بأنه قبول للأسد نفسه فيما فسره آخرون بأنه قبول لبعض من عناصر نظام الأسد وليس بشار الأسد نفسه، وفي الحالتين يُعتبر هذا تغيُّراً كبيراً في الموقف الفرنسي.
وكان وزير خارجية بريطانيا أكثر وضوحاً بإقراره بإمكانية تقبُّل بلاده للأسد رئيساً لسوريا لمرحلة انتقالية.
مع ملاحظة أنْ لا أحد تحدث عن مدة هذه المرحلة الانتقالية أو حدودها.

وكذا سار وزيرا خارجيتي النمسا وإسبانيا في مسار قبول بشار الأسد لإيجاد حلول لأزمتَيْ (داعش) و(اللاجئين إلى أوروبا).
وإذا ربطنا كل ما سبق بتصريح بوتين الذي سبق هذه التصريحات بعدة أيام والذي أكد فيه الرئيس الروسي على أن (داعش) هي السبب وليس نظام بشار، وما ثبت بنسبة كبيرة من تواجد عسكري لروسيا في سوريا وفق تقارير وطائرات تم الإعلان عنها يوم 8 سبتمبر أيلول (اليوم نفسه الذي صرح فيه الرئيس الفرنسي ووزيرا خارجيتَيْ النمسا وإسبانيا).. إذا ربطنا كل ذلك تكاد تتضح لنا رؤية قد تكون صحيحة بدرجة كبيرة، وهي أن تصدير أزمة اللاجئين السوريين بهذا الكمِّ وفي توقيت واحد إنما وراءه أصابع خفية وتم وفق خطة مجهزة من قِبَلِ نظام الأسد وحليفَيهِ الرئيسيَّيْن روسيا وإيران، أو على وجه الدقة يمكن القول أنه تم وفق خطة مجهزة من قِبَلِ حليفَيْ الأسد الرئيسيَّيْن روسيا وإيران بالترتيب مع الأسد ونظامه.

في هذا السياق يمكن فهم سر التواجد الروسي العسكري خلال هذه الفترة في سوريا، وذلك لمساعدة التواجد الإيراني و(حزب الله) ونظام بشار للصمود أكبر فترة ممكنة حتى تؤتي حملة اللاجئين السوريين إلى أوروبا ثمارها عبر سرعة التحرك الأوروبي لحلِّ الأزمة؛ ما يعني قبول وجود بشار بشكلٍ ما، وهو الأمر الذي قد يزداد فيه قبول الأوربيين لبشار بالتناسب طرديًّا مع ازدياد أزمة اللاجئين السوريين في أوروبا وتأخر إيجاد سبل لحلِّها.
يحيط ذلك كله التحرك غير الموجود والموقف الساكت للرئيس الأمريكي باراك أوباما حول أزمة اللاجئين، وهو ما يعكس ارتباكاً طالما أحسسناه في إدارة أوباما مذ تم انتخابه في المرة الأولى واستمر مع الثانية.
فهل يمكن اعتبار أزمة اللاجئين السوريين إلى أوروبا هي العصا ذات المصالح المتعددة لروسيا وإيران ونظام بشار لتحقيق فوائد عديدة وعلى عدة أصعدة؟
فروسيا يمكنها استخدامها كورقة ضغط في الأزمة الأوكرانية، وبها تؤكد كذلك على دورها المحوري في المنطقة العربية.
وإيران تستغلها لتخفيف الضغط عليها وعلى تمدداتها في سوريا واليمن ولبنان بل والخليج العربي.
وبشار الأسد يعتمد عليها في قبول أوروبا والغرب ببقائه على رأس الحكم في سوريا مهما كلف ذلك.
والثلاثة (روسيا- إيران- بشار) يحققون انتصاراً كبيراً على خصومهم وما له من تبعات وتأثيرات مستقبلية في اتجاهات متعددة.
فهل أزمة اللاجئين السوريين إلى أوروبا هي العصا التي توكأ عليها الثلاثي (روسيا- إيران- بشار)، وهشوا بها على مخالفيهم، ولهم فيها مآرب أخرى؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.