المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كمال المصري  Headshot

الهدنة السورية.. 9 دلالات

تم النشر: تم التحديث:

الاتفاق التركي الروسي للهدنة ووقف كافة أشكال القتال في سوريا، والاستعداد لبدء مفاوضات سلام شاملة يحمل دلالات كثيرة سأتعرض منها لتسع دلالات فارقة.

وقد يثير طرفا الاتفاق استغراب غير المتابعين؛ إذ كيف يتفق طرفان في شأن طرف ثالث؟! لذلك سأذكر بعد الدلالات التسع ملخصاً موجزاً للأحداث في سوريا يجيب عن هذا التساؤل.

نعود لدلالات الاتفاق التركي الروسي التسع:

1- الثورة مستمرة:

لا يُنكِر إنسان أن من أهم فوائد هذه الهدنة هو تخفيف العبء عن الشعب السوري بعد سنين من القصف والقتل والتشريد والتهجير؛ فلا أحد يستطيع الصمود أمام هذا الكم من القصف بكافة الطرق والوسائل المسموح به منها والمحرم دولياً.

غير أن المشهد اللافت هو أن أول ما فعله السوريون بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ هو الخروج في مظاهرات تأييد للثورة وتنديد بنظام بشار الأسد، وكأن شيئاً لم يكن! وكأنهم لم يعيشوا أكثر من خمس سنوات تحت العذاب والقتل والتشريد.

لم يمنعهم ما هم فيه من معاناة، ولم يوقفهم كم الخسائر التي تكبدوها في الأرواح والأملاك والأموال والأعمار، خرجوا وتظاهروا كيوم ولدتهم الثورة.

كانت سوريا على مدار التاريخ رمزاً للبطولة والشجاعة، وكان السوريون على مدار التاريخ أعزة أحراراً، وما زالت، وما زالوا.

2- تقوية مكانة تركيا وروسيا:
من أبرز دلالات اتفاق الهدنة هذا هو أنه أثبت وبقوة التواجد الدولي لكلٍّ من تركيا وروسيا، ويخطئ من يظن أن الاتفاق محدود بسوريا فقط، أو أنه مرتبط بحدود إقليمية، إنه اتفاق دولي يشغل العالم كله، ولعل في تأييد الأمم المتحدة والعديد من الدول في العالم له ما يؤكد هذا الأمر.

تركيا وروسيا وضعتا قدميهما في مقدمة دول العالم تأثيراً وإثباتاً للتواجد والوجود.

3- الاعتراف بفصائل المعارضة:
مما حمله اتفاق الهدنة كذلك اعترافاً صريحاً بفصائل المعارضة، وأن لها وجوداً قانونيّاً ودوليّاً بعد أن تواجدت على أرض الواقع.

وتزداد قيمة هذا الاعتراف حين يخرج من فم روسيا الدولة الأولى التي كانت ترفض هذه المعارضة، وكانت تعتبرها جزءاً من فصائل الإرهاب الموجودة في المنطقة العربية شأنها شأن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، وهو ما أوصل روسيا إلى تكوين نموذج معارضة خاصٍّ بها ليكون بديلاً لفصائل المعارضة الحقيقية.

هذه المعارضة المدجنة التي تمثل المعارضة وما هي بمعارضة أثبتت فشلها، ولم تستطع أن تكون بديلاً للمعارضة الحقيقة، ما اضطر روسيا للاعتراف بالمعارضة الحقيقية؛ بل وصل الأمر إلى النقاش حول اعتبار "جبهة النصرة" من فصائل المعارضة أو لا، وهي التي كانت تنتمي لتنظيم القاعدة وأعلنت الانفصال عنه منذ خمسة أشهر، وتغيير اسمها إلى "جبهة فتح الشام".

ولا يخفى بالطبع الدور التركي في هذا الأمر، والحقيقة أن تركيا تعتبر من أكبر الدول الداعمة للمعارضة السورية منذ بدء الثورة؛ إن لم تكن الأكبر.

4- الحرب أنهكت روسيا:

لقد أنهكت الحرب الشعب السوري والمعارضة السورية بلا شك؛ إلا أنها أنهكت روسيا كذلك، ولعل هذا أحد أكبر أسباب سعي روسيا لوقف القتال والحديث عن مفاوضات سلام؛ كي تكسب من اتجاهين: وقف نزيف الخسائر الذي تتكبده، وإثبات دورها القوي والفاعل والمؤثر في مفاوضات السلام؛ لأنها لن تستطيع الاستمرار في الحرب بلا نهاية، وبالتالي ستضطر يوماً للانسحاب، وعندها ستفقد دورها في هذه المنطقة؛ فسعت إلى القيام بذلك قبل وصولها إلى هذا الاضطرار.

ولنعرف كمَّ الخسائر التي تتكبدها روسيا من تواجدها في سوريا نذكر بعض الأرقام الدالة جمعناها من خلال تقارير رسمية وإعلامية:

- تبلغ تكلفة أية طائرة روسية تغير على سوريا 12 ألف دولار لكل ساعة، وقد نفذت روسيا خلال عام أكثر من 30 ألف طلعة؛ فلو افترضنا أن الطائرة تحتاج إلى ساعتين فقط كي تصل إلى سماء سوريا؛ فإن المجموع يكون: 12000 X 2 X 30000= 720 مليون دولار.
- تقدر تكلفة الصواريخ بـ750 ألف دولار عن كل يوم، فلو افترضنا مرور عام على التدخل الروسي: 750000 X 365= حوالي 274 مليون دولار.
- تدفع روسيا للعمليات العسكرية بسوريا 4 ملايين دولار يوميًّا.
- تشير تقارير إلى أن روسيا تكلفت خلال عام من تدخلها في سوريا 1400 مليون دولار.

هذه بعض الأرقام الدالة، ولم نذكر الخسائر البشرية، والخسائر في العتاد، إضافة إلى ما يعود على روسيا من الداخل نتيجة لهذا العبء العسكري المستمر.
هذا العبء جعل روسيا تسعى لوقفه ووضع قدم لها سريعاً في مفاوضات السلام الشامل.

5- غياب دور إيران ونظام الأسد:
كما أكدت في مقالي السابق "7 محطات حلبية
فإنه لم يعد لنظام الأسد وجود حقيقي على أرض الواقع؛ بل هو مجرد صورة تحركها روسيا كيف شاءت، بل تجاوز الأمر ذلك لأن تتحدث روسيا باسم النظام السوري دون حتى التفكير في إظهار تواجده، رأينا هذا في اتفاق إجلاء سكان حلب الشرقية، واليوم نراه في اتفاق الهدنة هذا.

أما الغياب الحقيقي فقد كان للدور الإيراني؛ وهو ما يشير إلى بزوغ خلاف حقيقي بين روسيا وإيران، وهو ما أشرت إليه كذلك في مقالي السابق، الأمر الذي وصل بإيران إلى عدم تعليقها على الاتفاق إلا بعد إعلانه بعدة ساعات عبر خارجيتها، وقد كان رداً بارداً عاماً يوحي -بالرغم من تأييدها للاتفاق- ربما إلى صدمتها من الاتفاق أو رفضها له.
6- الغياب المستمر للدور الأميركي:
قلنا منذ أكثر من سنة، ولسنا بحاجة إلى كثيرِ قولٍ نكرر فيه ضعف إدارة أوباما خارجياً؛ لكن اتفاقاً بهذا الحجم يتم ولا يشار فيه إلى الولايات المتحدة الأمريكية من قريب أو من بعيد بل ولا يُنتظر منها حتى رد فعل أو تعليق، هو أمر لم نعهده سابقاً، نعم هو ليس مستغرباً في ظل الإدارة الحالية، لكنها دلالة يجب ذكرها في السياق.

7- غياب أوروبا:
خرجت هذه المرة أوروبا من اللعبة؛ فبعد محاولات أوروبية عدة للتواجد في الأزمة السورية تزعمتها فرنسا وألمانيا خرجت أوروبا من الباب الواسع، واقتصر دورها على المتابعة والتأييد والترحيب.
ولا يقف هذا الغياب الأوروبي عند عدم تواجدهم في اتفاق الهدنة وما يليه فقط؛ بل هو يمنح تركيا تفوقاً عليها، وبين أوروبا وتركيا سجال طويل مذ كانت تركيا تلهث وراء انضمامها للاتحاد الأوروبي وأوروبا ترفض، وصولاً إلى إدارة تركيا ظهرها لأوروبا، وسعيها لتقوية اقتصادها في ظل معاناة أوروبا اقتصادياً، وها قد جاء حدث جديد تثبِّت فيه تركيا أقدامها في علاقتها بأوروبا.

8- إيقاف التغيير الديموغرافي في سوريا:
وهذا الأمر سعت إليه إيران ثم نظام بشار بقوة؛ وذلك بتفريغ مناطق عدة من المكون السني لصالح توطين مجموعات شيعية يتم استقدامها من خارج سوريا.

وقد كانت إيران عبر الميليشيات التابعة لها تُعد العدة للمعركة الكبرى للتخلص من المكون السني عبر تجميعه في منطقة إدلب ومحيطها، وهو ما صرح به بجلاء وغير مرة قادة هذه الميليشيات.

اتفاق الهدنة قضى على أحلام الروافض لتحقيق ذلك، ولعل هذا هو السبب الأكبر لقيام روسيا بعقد اتفاق الهدنة بعيداً عن إيران، ولعل هذا سبب وصف بوتين الاتفاق بـ"الهش"؛ حيث من المتوقع أن تقوم إيران ونظام بشار بخرقه والعمل على إفشاله، كما فعلت في اتفاق جلاء سكان حلب الشرقية، وربما الأيام القادمة تشهد أمراً ما بين روسيا وحليفتها إيران، ولربما يكون تصريح بوتين يحمل في طياته أكثر من وصف الاتفاق بالهش، وإنما هو تهديد مبطن لمن يحاول إفشال هذا الاتفاق.

9- إنجاز الأمر قبل تولي ترامب:
لعل من أسباب اتفاق الهدنة هذا محاولة إنجاز الأمر قبل تولي دونالد ترامب وإدارته مقاليد الحكم في الولايات المتحدة وما قد يحمل ذلك من مفاجآت مجنونة وغير متوقعة تبعاً لطبيعة الرجل غير المفهومة أو المتوقعة.

لقد سبر العالم إدارة أوباما وفهموا حالها وطريقة إدارتها؛ لكن إدارة جديدة على رأسها شخص غير واضح الأبعاد والتصرفات، فهذا ما لا يرغب الطرفان التركي والروسي فيه؛ فليُنجَز الاتفاق إذاً قبل قدومه ليكون أمراً واقعاً وحدثاً منجَزاً.
هذه دلالات تسع نستبطنها من الاتفاق التركي الروسي للهدنة في سوريا، وبالتأكيد هناك غيرها؛ لكن لعل هذه أهمها وأكثرها وضوحاً ودلالة.
اتفاق الهدنة ما زال في بداياته، والأيام القادمة حبلى بأحداث كثيرة تتبعه: وقف القتال - وصول المساعدات - تحديد الأطراف المفاوضة - تشكيل هذه الأطراف - وضع الرؤى والتصورات - بدء جولات التفاوض، وغير ذلك كثير.

ما علينا سوى الانتظار والمتابعة، متمنين الخير كل الخير لأهلنا في سوريا، والشر كل الشر للنظام السوري ومن وراءه من ميليشيا روافض ودول وكيانات.

موجز تاريخي للأحداث في سوريا:
في 27 فبراير/ شباط عام 2011م قام عدد من أطفال محافظة درعا بكتابة عبارات مناهضة للنظام الحاكم على جدران مدرستهم متأثرين بموجة ثورات الربيع العربي وما حققته من نجاحات في تونس ومصر؛ فقامت قوات نظام بشار الأسد باعتقال خمسة عشر طفلاً وتعذيبهم، ما أثار حالة من الغليان الشديد في محافظة درعا.

وفي شهر مارس/ آذار تفاعلت الأحداث وانطلقت الشرارة الأولى للثورة السورية؛ فكان الثلاثاء 15 مارس/ آذار "يوم الغضب" بمظاهرات في سوق الحميدية بدمشق العاصمة، ثم في اليوم التالي اعتصام أمام مبنى وزارة الداخلية السورية تحول إلى مظاهرة في ساحة المرجة بدمشق، تبعتها مظاهرات في اليوم التالي ووجهت كلها بالقمع والاعتقال من قبل قوات النظام السوري؛ ثم كانت الانطلاقة الحقيقية للثورة في "جمعة الكرامة" 18 مارس/ آذار حين قاد هذه الانطلاقة شباب درعا الذين طالبوا بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية ورفعوا مجموعة من شعارات الحرية والكرامة؛ بيد أن قوات الأمن السوري واجهتهم بالرصاص الحي ما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص، وسرعان ما تحول شعار الثورة السورية إلى شعار الربيع العربي الأثير "الشعب يريد إسقاط النظام"، وعمت المظاهرات مدن محافظة درعا ومعظم المدن السورية، وفي مقدمتها اللاذقية ودوما وداريا وحمص وبانياس، وتصاعدت الأحداث بعد ذلك من "الأربعاء الدامي" لـ"جمعة العزة" و"جمعة الصمود" و"أحد الجلاء"؛ ثم شهدت "الجمعة العظيمة" في 22 أبريل/ نيسان المظاهرات الأكبر في سوريا في كل من دمشق وريف دمشق وحمص وحماة واللاذقية ودرعا وبانياس والقامشلي ودير الزور وإدلب، وقد كان هذا اليوم هو الأكثر عنفاً ودموية في الاحتجاجات في جميع المدن السورية الثائرة، واستمر الوضع على هذا الحال مظاهرات ومواجهات مع قوات النظام وقتل واعتقال، لتصبح ثورة تعم أنحاء سوريا كلها، ومع أواخر يوليو/ تموز تأسس "الجيش السوري الحر" من قبل ضباط كبار في القوات المسلحة السورية بهدف إسقاط حكومة الأسد.

ومع تقدم الثورة بشقيها الشعبي والعسكري ووجود مؤشرات قوية بانتصارها على نظام بشار الأسد تداعت قوى خارجية لدعم النظام؛ فبدأ الدعم بميليشيا "حزب الله" الشيعي اللبناني، ولما لم يستطع وحده دعم النظام تدخلت ميليشيات شيعية أخرى إيرانية وعراقية مثل "النجباء" و"فاطميون" و"الخراساني" و"حزب الله العراقي" و"الشيعة الأفغان" وغيرها في ما يصل لأربعين ميليشيا مختلفة.

ولما لم تستطع هذه الميليشيات القضاء على الثورة والثوار والشعب جاء الدور على النظام الروسي ليتدخل عسكريًّا دعماً لنظام بشار، وكان ذلك في 30 سبتمبر/ أيلول من عام 2015م.

وخلال هذه الخمسة عشر شهراً دُكَّت المدن التي تسيطر عليها المعارضة السورية بكافة أشكال الأسلحة المسموح بها والمحرمة دولياً، إضافة إلى الجرائم التي مارستها الميليشيات المساندة للنظام.

صاحب هذه الأحداث كلها ظهور ما يُسمى بـ"تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" المعروف إعلامياً بـ"داعش"، واقتطع هذا التنظيم أجزاء من الأرض السورية، وظهرت كذلك "قوات سوريا الديمقراطية" التي يغلب عليها المكون الكردي، الأمر الذي استدعى تدخل أطراف جديدة في الصراع السوري كقوات التحالف الدولي، وكتركيا.

وبمرور الأيام أصبح الطرفان الروسي فالإيراني هما الآمر الناهي في سوريا من جهة النظام السوري الذي غدا مجرد واجهة وصورة لا محل لها من الإعراب على أرض الواقع.

وتواصلت الأحداث بتشعباتها أخذاً وردّاً حتى وصلنا للاتفاق التركي الروسي للهدنة في سوريا الذي أشرنا إليه وإلى دلالاته آنفاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.