المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كدير مراد Headshot

الحقد الغبي.. انتخابات اليونيسكو

تم النشر: تم التحديث:

2017-10-14-1508002386-1328239-2017_10_11_18_54_59_766.jpg

تابعنا بحماسة انتخابات تتويج مدير عام جديد لإحدى أهم المنظمات الأممية بل أهمها في مجال الثقافة والتربية والتراث "اليونيسكو".

لم يكن مصدر الحماسة في تتبع تلك الانتخابات وجود مرشحين عرب فحسب، وإنما استغلال فترة ذهبية أظهرت تيار قوة داخل اليونيسكو ساهم في استصدار قرارات نزيهة وشجاعة عن المجلس التنفيذي الذي تقوده 58 دولة حول قضية المسلمين والعرب المركزية فلسطين لكتابة التاريخ باعتلاء شخصية عربية إسلامية كرسي سيادة المنظمة.

لقد بدأت الكرونولوجية بظهور قوة حق ضمن المجلس التنفيذي عملت على الاعتراف بالأحقية الشرعية لقضية فلسطين على المستوى الدولي من الناحية الثقافية، فكان اعتراف المجلس التنفيذي بعضوية فلسطين سنة 2011 بداية لهذه القرارات التي أنصفت قضية القرن.

لكن رغم ثقل القرار السياسي والدبلوماسي فإن ذاك القرار لم يكن الأهم بل مقدرة هذا التيار الضام جملة من الدول الإسلامية بدعم من الدول الصديقة، أهمها الإفريقية المعروفة بدعم الحق ومجابهة الظلم في إصدار قرار الأحقية الشرعية الحضارية للمسلمين على القدس كتراث إسلامي خالص، منهياً صراع الشرعية الثقافية الذي يعتبر عمود المعركة الحالية بين المسلمين والكيان الصهيوني، على حسب قول "نتنياهو" في كتابه "مكان بين الأمم" الذي يحدد فيه طبيعة الصراع.

لقد استمر الكابوس المزعج للكيان الصهيوني بإقرار قرار آخر يلغي السلطة السياسية والعسكرية للكيان الصهيوني على القدس باعتبار وجوده احتلالاً. فكانت ضربة قاضية لو عرفنا استثمار نقطة بداية نهاية هذا الاحتلال.

اليونيسكو نقطة إساءة وجه الكيان الصهيوني على المستوى الأخلاقي وسقطة حرة على المستوى المعركة الثقافية لو أحسنا حقيقة التسويق للإنجاز الدبلوماسي في الأوساط الثقافية الدولية وحتى دولنا الميتة ثقافياً.

كلنا بقي ينتظر أن تستغل الفرصة للإبقاء على هذا الرصيد في كفّة الحق برؤيته ثورة قرارات جعلت إسرائيل تخرج عن الرزانة الدبلوماسية وتجمد عضويتها في منظمة فكت مضاجعها.

ظلت الفرصة متاحة لاستثمار الأصدقاء في المجلس التنقيذي الحالي؛ ليكون المدير العام المنتخب عربياً أو مسلماً أو على الأقل صديقاً للحق ظهيراً له لمنع ثورة مضادة تعطل تلك القرارات أو تجهض تفعيلها أو استثمارها مستقبلاً.

وكلنا تتبع مستويات تحقق الرؤية عبر المراحل الأربع لتصدّر مرشح قطر حمد الكواري سباق التصويت.

لقد كان ليكون مرشح قطر المعروفة بدعمها لقضية فلسطين استمراراً لإساءة وجه العدو الصهيوني وكشف عن وجهه القبيح وأيضاً قطعاً لطريق الكيان الصهيوني الذي لم يكن ليجمد عضويته وبعدها تخرج حليفته الأولى أميركا أثناء الانتخابات، بل ظل يخطط لقطع الطريق على العرب من خلال ترشيح يهودية بجنسية مستضيفة المقر الدائم للمنظمة فرنسا كما أكدته صحيفة "the times of isreal" التي جعلت من المرشحة أودريه أزولاي الماشياح المخلص من كابوس العرب.

لم ينم الكيان الصهيوني طوال الفترة التي أردفت القرارين بل عملت على دراسة المنظمة دراسة وثيقة وسبل الخروج من المأزق.

1- نظرة "إسرائيل" لليونيسكو

يجب أن نعرف أن لليونيسكو "رمزية" تغري بالنزاع حولها وآلية توظيفها في معارك أكبر حتى من اليونيسكو نفسها.

للاستفراد بمغانم سياسية أو اقتصادية، خاصة إن تعلق الأمر بقائمة التراث العالمي، فذلك يفتح مغانم سياحية وصناعية هامة، ولكن هنا النزاع ليس من ذلك القبيل بل هو نزاع حضاري حول شرعية وجود تسعى إسرائيل لاستثماره سياسياً وحضارياً لبقاء وجودها.

إن نظرة "إسرائيل" للمنظمة بعد قرار لجنة التراث العالمي في اليونسيكو وقرار مجلسها التنقيذي في دورته العادية في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2016 بما يسمى قرار "فلسطين المحتلة" حول عدم أحقية الكيان الصهيوني بتغيير معالم المسجد الأقصى؛ لكونه تراثاً إسلامياً خالصاً.

لقد كانت تلك النقطة التحول التي جعلت الكيان يرى اليونيسكو منظمة تصدر قرارات معادية لإسرائيل، بل جعل نتنياهو يتهمها بتصريحه: "اليونيسكو تعيد كتابة التاريخ وتشوهه مؤكدة انحطاطاً لا قعر له في إصدار ترهات".

اتهم جملة من أصدقاء إسرائيل من المنظمات خاصة فرنسا بالتواطؤ لاستصدار هذه القرارات المنحازة ضد إسرائيل، ما جعل فرنسا تعمل لتصحيح صورتها بترشيح وزيرة الثقافة الفرنسية ذات الأصول اليهودية لرئاسة المنظمة كقربان تكفير ذنب.

لم تكن إسرائيل وحدها بل إن أميركا أعلنت يوم 10 أكتوبر 2017 انسحابها من منظمة تعتبرها منحازة ضد إسرائيل، ويعتبر الانسحاب ورقة ضغط؛ لكون أميركا تدفع خُمس ميزانية اليونيسكو سنوياً.

2- هاجس إسرائيل من ترؤس العرب لليونيسكو

لم يكن العرب ليستثمروا هذا الترهل الصهيوني مع اليونيسكو للاتفاق على مرشح ينال رضا وقبولاً وبل مباركة فصيل واسع بل انطلقوا من القطيعة والتفكك، ترشح 3 عرب من قطر ومصر ولبنان، انسحب اللبناني وبقي القطري والمصرية.

يبرر الكيان الصهيوني خوفهم على حسب الكاتب اليهودي رفائيل هرين في مقال في "تايم أو إسرائيل بالعربية بعنوان: "إسرائيل تخشى من استلام (ثلاثي إسلامي) لقيادة اليونسكو" بأن ترؤس عربي للمنظمة سيسعى بالدفع لأجندة أكثر عدائية في المنظمة الثقافية للأمم المتحدة".

ركز الكاتب على القطري حمد الكواري بكونه الأوفر حظاً والأشد خطراً إذ أكد أن ترشيح الكواري أثار غضب مركز سيمون فينزنتال، الذي اشتكى قبل نحو عامين بشأن مواد معادية للسامية ظهرت بشكل بارز في معرض كتاب نُظم تحت رعاية وزارة التعليم القطرية.

وفي نفس الوقت لم يبدِ أي هاجس من ترشح منافسة عربية أخرى هي وزيرة شؤون الأسرة والسكان المصرية السابقة مشيرة خطاب، إذ ركز على إشارتها إلى معاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979 على أنها أمر يؤهلها على نحو فريد لهذا المنصب.

استشهد بخطاب في مقابلة أجرتها معها وكالة "أسوشيتد برس": "لا تنسوا أننا كنا نحن من بدأ السلام مع إسرائيل".

3- انتخابات اليونيسكو العبرة بالنهايات

بقي القطري حمد الكواري متصدراً للنتائج طوال المراحل الأربع من الخمس التي تحدد هوية المدير العام الجديد.

لقد كانت نتيجة المرحلة الرابعة تقدم القطري حمد الكواري بـ22 صوتاً مقابل 18 صوتاً لكل من الفرنسية أودريه أزولاي والمصرية مشيرة خطاب.

صعد القطري مباشرة للمرحلة الخامسة وأُعيد التصويت بين الفرنسية والمصرية فكانت الغلبة لأزولاي بـ 30 صوتاً مقابل 25 مع ورقتين بيضاوين.

4- الحقد الغبي

لقد كانت الفرنسية تمثل مشروع الكيان الصهيوني لسيادة منظمة تراها معادية لمصالحها، فكان ترؤسها بهدف توجيه أجندتها واستغلال رمزيتها بما يحمي مصالحها وقضية وجودها.

وعلى النقيض من ذلك بعد تبخر المشروع المصري كانت نقطة التحول كشفت معدن بعض الدول التي اختارت الوقوف مع مشروع العدو ضد الأخ القريب.

لقد كان تصويت دول الحصار لفرنسا ضد قطر حقداً ساذجاً غبياً مكّن للكيان الصهيوني للغلبة في معركة دبلوماسية بقينا الفائزين فيها لحد أن نطق الغبي بسفاهة كلفتنا وستكلفنا الكثير.

إن هذا الغباء المنقطع النظير الناجم عن حقد دفين أظهر قانوناً اجتماعياً وسياسياً مناطه أن الكيان الصهيوني يتقوت ويعيش بغباء العرب وحقدهم للناجح منهم.

كما أنها أظهرت ميلاد حقبة تاريخية جديدة بدا فيها التنسيق واضحاً بين الكيان الصهيوني ودول التطبيع الجديدة التي تعمل على مشروع صفقة القرن للتخلص من قضية فلسطين، فكانت النتيجة تحويل منظمة من نقطة قوة إلى ثغر تضرب منه الأمة الإسلامية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.