المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Julia Wagner Headshot

الأفلام الوثائقية والقتل الجماعي والحاجة الماسة إلى التذكر

تم النشر: تم التحديث:

حضرت دورة متقدمة مع المخرج الوثائقي جوشوا أوبنهايمر، وكان يناقش فيلمه الوثائقي القوي والناجح The Act of Killing وفيلم The Look of Silence الذي تلاه، وهما يستكشفان ذكرى مجازر عام 1965 في إندونيسيا، والتي يُقدر عدد القتلى فيها بما بين 500 ألف ومليون.

في فيلم The Act of Killing، يلتقي أوبنهايمر بعض مرتكبي أعمال التعذيب والقتل، ويطلب منهم إعادة تمثيل الأحداث. يبقى القتلة في السلطة: لم يجر تحقيق رسمي في تلك المذابح ويبقى الجناة أبطالاً وطنيين.
أما فيلم The Look of Silence فيركز على أسر الضحايا الناجين.

تحدثت مع امرأة كانت تجلس بجواري، وقد رأت دفتر ملاحظاتي فسألت عما إذا كنتُ أكتب في مدونة.

فاجأتني ملاحظتها؛ لأنني دائماً ما أحضر معي دفتر ملاحظات في الفعاليات المماثلة، حتى قبل أن أبدأ التدوين، فهي عادةً تساعدني على تذكر ما قيل. سألتها عن سبب اهتمامها بالدورة، فقالت: "والدتي من إندونيسيا وقد فقدت الكثير من أفراد عائلتها في المذابح"، وعلى الرغم من دوافعنا المختلفة للحضور، كنا نؤدي أعمالاً من الذاكرة.

هذا الأسبوع أيضاً، تواصلت عبر البريد الإلكتروني مع شخص لم أكن قد رأيته منذ سنوات عديدة، أجابت: "هل رأيتك في محادثة جوناس ميكاس في جمعية الأفلام البريطانية قبل عام أو اثنين؟ هناك امرأة لم أتمكن من التعرف عليها سألت سؤالاً وأعتقد الآن أنها ربما كانت أنت".

نعم، كنت هناك، ولكني لا أتذكر أني طرحت أسئلة؛ لذلك فكرت أن ألقي نظرة في دفتر ملاحظاتي فربما يحفز ذاكرتي.

من الغريب أن أتذكر أنني كنت هناك ولكني لا أتذكر طرح أسئلة. لا بد من أنني قد فعلت، وإلا كيف رأتني صديقتي القديمة في القاعة المظلمة؟

لذلك قررت أن أبحث في دفاتري القديمة، ولكنى لا أستطيع العثور على الدفتر الذي أبحث عنه، الدفاتر كلها متربة وغير مرتبة وليست كلها في نفس المكان، فمنذ فعالية ميكاس انتقلت من منزلي وبدأت في استخدام دفاتر جديدة، بل إنني لا أستطيع العثور على ملفّي المطبوع لملاحظات التصوير لجمعية الأفلام البريطانية، ولا تمكن جوجل من إعطائي التاريخ الدقيق للتصوير (إما ديسمبر/كانون الأول 2012 أو يناير/كانون الثاني 2013)، وهو ما كنت آمل أن يجعلني أتذكر دفتر الملاحظات الصحيح الذي أبحث عنه.

وبعد ذلك اتضح لي الآتي: ربما لم أكتب ملاحظات في ذلك اليوم، كنت وقتها قد حصلت على درجة الدكتوراه حديثاً، وربما ظننت أنني لم أعُد بحاجة إلى تدوين ملاحظات أخرى، وأنه صار بإمكاني أن أسترخي وأستمتع بالتصوير والاستماع إلى الأسئلة والأجوبة دون تدوين ملاحظات. يا لها من فكرة! ولكن كيف أطرح سؤالاً ما لم أكن قد دوّنت ملاحظات أولاً؟ كيف أتذكر ما قلته إذا لم أعثر على دفتر الملاحظات؟ كان ذلك فعلاً بسيطاً، ولكن إذا كنُ قمت به، لا أريد أن أنسى.

يا لَلسخرية! نظراً إلى أن ميكاس قام بتوثيق حياته في الأفلام لعقود.

توارث الذاكرة
تحمل دورة أوبنهايمر تشابهاً مع الأسئلة والأجوبة التي أدرتها في فبراير/شباط الماضي عقب تصويري فيلم My Nazi Legacy، مع المنتج فيليب ساندز والمخرج ديفيد إيفانز.

يلتقي ساندز بأبناء اثنين من كبار الحكام النازيين كانا مسؤولين عن جرائم قتل جماعي.

نيكلاس فرانك وهورست فون فاكتر يُظهران مواقفين مختلفين تماماً تجاه والديهما. نيكلاس يعترف ويدين ويزدري أعمال والده، في حين يدافع هورست عن والده، غير قادر على ما يبدو أو غير راغب في التوفيق بين حبه واحترامه لوالده وبين الأدلة الهائلة على تواطُئه وموافقته على القتل الجماعي.

أما بالنسبة لساندز، فقد تسرب مشروع الفيلم الوثائقي في صلات شخصية؛ لأن معظم أفراد أسرته لقوا حتفهم في أوكرانيا خلال المحرقة، وهي المنطقة التي أشرف عليها أوتو فون فاكتر.

الأفلام الوثائقية تتعلق بالذاكرة وبالتذكير، نحن بحاجة إلى أن يعمل الفن الوثائقي جنباً إلى جنب مع الأدلة الوثائقية، نحتاج إلى أن نتذكر بشكل خلاق، نحتاج إلى طرق مختلفة للتذكر؛ لأن الذاكرة وظيفة نشطة وحية وديناميكية للحياة.

وهناك بالطبع مساحة للسرد وتحويل الماضي إلى أعمال درامية إلى جانب الوثائقيات (على الرغم من أن الفروق بين الاثنين غالباً ما تكون غير واضحة).

فيلم Son of Saul الحائز جائزة الأوسكار يوضح الحاجة -الموجودة إلى الآن- لمعالجة الأحداث التي وقعت منذ أكثر من 70 عاماً ثقافياً.

الإقبال على الأفلام التي تتناول المحرقة لا يزال موجوداً؛ لأنها ذاكرة حية، وما زلنا نعيش معها ليس كذكرى للماضي، بل كجانب حقيقي جداً وهام جداً من ثقافتنا وعقليتنا اليوم.

لم نتجاوز بعد ما حدث على عتبة بابنا، والحقائق لا تزال مذهلة ومؤلمة، على الرغم من محاولات إحياء ذكرى القتلى، إلا أن إنكار المحرقة وتنقيحها عاد من جديد بشكل مخزٍ ليكون موضوع العناوين الرئيسية.

كيف يمكننا أن نتذكر؟

شاهدت مجدداً الفيلم الجدير بالاقتباس بشدة The History Boys على قناة BBC Four قبل بضعة أسابيع.

واحدة من جمل إيروين علقت في رأسي لعمقها "القتلى.. عدد الجثامين.. نحن لا نريد الاعتراف بأن الحرب كانت خطأنا ولو جزئياً؛ لأن الكثير من مواطنينا ماتوا. وكل ذلك الحداد حجب الحقيقة. الأمر ليس لئلا ننسى بل لئلا نتذكر. هذا كل ما في الأمر، النصب التذكارية، والاحتفالات الجنائزية، ودقيقتا الصمت؛ لأنه ما من طريقة أفضل لنسيان شيء ما، أكثر من الاحتفال به".

وهذا هو السبب في أن كين ليفنغستون، وآخرين كثيرين في حزب العمال، والآن بوريس جونسون، يحتاجون إلى إيلاء الاهتمام للفنون المعاصرة، بالإضافة إلى الأدلة التاريخية، إذا كانوا يريدون تجنّب التصريحات الجاهلة والمسيئة عن النازيين: المناخ الثقافي الحالي يقول إننا في خطر فقدان ذكرياتنا بينما لا تزال الجروح غير ملتئمة. وليس كافياً أن نُحيي ذكرى القتلى، إذا لم يكن الأحياء ينالون احترامهم. أحسنت يا صادق خان لحضورك المراسم التذكارية لمحرقة اليهود كأول عمل له بعدما صار عمدة لندن. ولكن هناك الكثير الذي ينبغي القيام به. نحتاج إلى أن نحترم ونعمل على معالجة الصدمة الحية الموجودة اليوم في مجتمعاتنا.

نحن بحاجة ماسة إلى أفلام وثائقية عن الأحداث التي وقعت في الأربعينات والخمسينات والستينات، عالمياً ومحلياً، حالياً بسبب التهديد الواقع على الذاكرة الحية.

قريباً لن نكون قادرين إلا على توثيق معلومات جديدة من أبناء وبنات العصر. وأنا لا أستطيع حتى أن أتذكر أفعالي أو أن أعثر على دفتر ملاحظاتي منذ ثلاث سنوات، ما الأمل المنعقد على المستوى الوطني أو الدولي لتذكر الماضي؟


- هذه التدوينة مترجمة عن النسخة البريطانية لـ"هاف بوست". للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.