المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمانة لمونس  Headshot

حتى تروِّضنا الحياة

تم النشر: تم التحديث:

2017-02-08-1486588644-9063900-index.jpg

أحد المواقف المثيرة للاستغراب أن تجلس بين شاب وشيخ؛ لترى مدى التناقض الذي يحمله العمر والفرق الواضح بين الأجيال، ليس فقط في أسلوب المعيشة أو بعض المعتقدات؛ بل من ناحية إيمانهما بالحياة وما تحمله تلك الكلمة من رغبة في التغيير والطموح نحو الأفضل.

أن ترى شاباً يدافع بكل شدة -قد تصل إلى السذاجة- عن أفكاره التي يعتقدها وطموحاته ويعتنق مذهب التغيير والتجديد.. بينما ترى في الجانب الآخر الشيخ الذي أخذ منه اليأس كل مأخذ، لا يحمل على عاتقه أمر التطور أو المشاكل التي تمس البلاد، أو حتى تلك التي تمس رقعته الجغرافية المصغرة التي يعيش ضمنها، ويرفض بشدة كل التغييرات التي تطرأ على عالمه، فالأفضل كان ولن يكون، وصولاً إلى هنا، لا يكتفي فقط بالاستسلام لواقعه؛ بل يحاول كذلك إقناع الشاب بسذاجة أحلامه، وأنه لن يستطيع ترويض الحياة؛ بل إنها هي مَن ستروضه في نهاية المطاف.

إننا وإن غفرنا للشيخ يأسه، بسبب ما مر به من تجارب فاشلة وكثيرة، ومحاولات لإصلاح أمور عجز عنها، ورغبته في الاستقرار بعد كفاح أخذ سنوات من عمره ورسم تجاعيد لا تحصى على بَشرته.. إلا أننا لا ولن نتقبل أبداً شاباً يائساً، فقد إيمانه بالحياة في سن العشرين أو الثلاثين، فالأمر أن التغيير الجلل الذي يحدث في المجتمع كل مرة، سببه شاب قاوم مظاهر الفساد وكفر بمعتقدات المجتمع البالية، شاب لم يقتنع بأنه قابل للترويض؛ بل أراد أن يصنع بنفسه الفرق، ويحاول بطريقته الخاصة الوصول إلى حلول، إن هذا الشاب هو نفسه الذي دُفن في نفس كل شيخ تجاوز مرحلة عمرية معينة، ودُفن كذلك في نفس بعض الشباب في وقتنا الحالي.

لكن كيف يمكن تقبُّل فكرة أن يروض شخص في مرحلة الشباب، تلك المرحلة التي يفترض أن تتسم بالنشاط والحيوية في حياتنا، والتي تحمل شعار التجربة والسقوط وتعديل المسار، ومن ثَم المحاولة من جديد كل مرة، فرغم ما يحاولون إقناعنا به، يبقى لكل أمر بداية تحطم معتقدات السابقين؛ لذا أيعقل أن يستسلم الشاب هنا بعد عدد محدود من التجارب الفاشلة.

إننا لم نسمع إلى الآن عن شخص وُلد ناجحاً، نعم يوجد من يولد بملعقة ذهبية في فمه، ولكنه لا يسمى ناجحاً، إن أكثر الأشخاص نجاحاً هم مَن يشقون طريقهم صعوداً مارين بعراقيل، بحيث إن كل صعوبة، وكل فشل، يُشكلان دافعاً له نحو الأعلى.
لا يوجد شخص ناجح عالم، ملياردير، ممثل مشهور، كاتب، مذيع، رياضي، فيزيائي اقتصادي.. إلخ، إلا وقد مر بمحطات فشل أكثر من محطات النجاح ذاتها.

لكن الأمر المميز بشأن العظماء أنهم لا يطيلون البقاء في تلك المحطات؛ بل يستمرون على الطريق إلى هدفهم، فما يصنع الفرق بين الناجح و"الأقل نجاحاً" هو تحديد مدة التوقف تلك، الاختيار بين الوقوف، الإقامة هناك وبين العودة إلى الخلف.
فالسقوط أو التعثر منعرجان مهمَّان في أي حياة عظيمة، فهما مَن يصقلان الشخصية، يصنعانها، ويحددان كذلك مدى استعداد الشخص للوصول إلى المبتغى.

فإذا لم تكن لديك العزيمة الكافية للسقوط والنهوض كل مرة، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تصل إلى ذلك الهدف الذي تنشده؛ لأنك إذا استسلمت لواقعك الذي ترفضه دون أي محاولة لتغيير نفسك والتسلق على مصائبك ومِحَنك، ستكون حتماً شيخاً في العشرين!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.