المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمانة لمونس  Headshot

الفاصل بين الحقيقة ، الفرضية و النظرية

تم النشر: تم التحديث:

2017-01-24-1485253830-6585693-wallpaper2870969.jpg

نلاحظ في مراحل مبكرة من مسارنا الدراسي أو العلمي، على حد سواء، أن كل التجارب هي محاولة لإثبات وجهة نظر أو اعتقاد أوَّلي، كمحاولة التأكد من وجود النشاء في الخبز، وإثبات حاجة النار للأكسجين.. إلخ، وأقصد من هذا أن أي استدلال يبتدئ من مقدمة سعياً للتأكد من فكرة هي بداية البحث، والواقع أن تلك الفكرة بحد ذاتها كانت تنطلق من ملاحظة الباحث التي تخضع لأفكار مسبقة تتحكم فيها طبيعة تعليم الباحث ومسيرته، ومجموع خبراته السابقة، فالأمر الذي يؤمن به الباحث لن يسعى لإثباته، بينما من المفترض على كل علم أن يبدأ بالتشكيك، حتى في الأمور المسلَّم بها.

إننا على الرغم من هذا لا نشكك في المقدمات عندما نبدأ بحثنا؛ بل نعتمد بشكل كبير على الدراسات والنظريات السابقة، بينما يؤكد التاريخ وتطور العلم مراراً وتكراراً أن بعض المسلّمات كانت خطأ فادحاً، سلّم بصحته عشرات السنين، إذا لم نقُل المئات، وأن المقدمات التي صدق بها آلاف الباحثين وبنوا عليها بحوثهم قابلة للهدم، وبالتالي يتداعى الكل، فالحصيلة ضياع الكثير من الجهود والبحوث والوقت لمجرد وضع الاستدلالات فوق قاعدة هشة.

ومن هنا فإن الدراسة التي يقوم بها الباحث ما هي إلا انطلاق من مسلّمات آمن بها واستدل عليها مستخدماً تجارب حياتية أو علمية سابقة، باستعمال أدوات وقوانين منطقية وضعها شخص آخر، بغض النظر عن مكانته العلمية لإثبات فكرة يعتقدها هو، ويؤمن بصحتها، وما فعله هو التأكد، ذلك فقط بالتجربة.

ونرى أن معظم الدراسات التي تجرى على عينة معينة لا تمثل الجميع، حتى وإن اتبعت المعايير الموضوعة لاختيار العينة، فإنها تبقى دوماً غير معبرة بشكل دقيق عن عامة المجتمع، مثل نظريات فرويد الذي يعتبر أبا علم النفس، وهو الذي أجرى جل تجاربه على المرضى والشواذ، وقام بتعميمها على الجميع حتى السليمين عقلياً وفيزيائياً منهم، وخرج منها بخلاصات عامة اعتمدها أنصاره ومريدوه من بعده، كعقدة أوديب مثلاً، وغيرها من المبرهنات والنظريات التي يأخذها الكثيرون كمبادئ وحقائق، رغم أن تلك الدراسات لا تمثل سوى فئة قليلة من البشرية، والاستنتاجات التي تبنى على أساسها ليست حتمية،

وإذا اتجهنا للعلوم الإنسانية أو الاجتماعية، فالمتاهة أكبر وأكثر تشعباً من هذا بكثير، خصوصاً تلك المعتمدة على المنهج الوصفي في البحث العلمي.

كما يجدر الذكر أن معظم ما بنيت عليه البحوث هي نظريات وليست وقائع أو حقائق، كالنظرية النسبية لأينشتاين، فالفرق جلي بين النظرية وبين الحقيقة، وإن كان الكثيرون لا يدركونه، وكمثال على ذلك حقيقة أن الماء يتكون من جزيئي الأكسجين والهيدروجين، وهو موضوع غني عن الجدل، بينما لا يمكن أن نقول نفس الشيء عن نظرية التطور لداروين.

لذا كيف يمكن أن نثق في نتائج بعض المقدمات والبحوث والمعلومات والدراسات، ونبني عليها بحوثنا دون أن نقوم نحن شخصياً بمراجعة تلك الدراسات والشروط والعوامل التي أجريت فيها، إضافة إلى الأشخاص والمحيط الذي أجريت ضمنه وعلاقتهم بالبحث، وأن نتجرد من كل تأثير شخصي أو ديني أو اجتماعي أو عاطفي؟!

وأي بحث نقوم به استناداً على أبحاث أخرى دون مراجعة مسبقة لها هو بحث عقيم، ولا يجوز الأخذ به إذا كنا فعلاً نبحث عن الحقيقة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.