المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جنان منيمنة Headshot

فيلم بلال جرعة أمل لتغيير قادم

تم النشر: تم التحديث:

كثر الكلام عن فيلم بلال الذي يُعرض حالياً في دور السينما، ولم أشأ الخوض فيه أو قراءة الكثير من النقد عنه قبل أن أشاهده بنفسي؛ كي لا أشكّل حكماً أو انطباعاً مسبقاً عنه.. ثم حضرته..

ولم أكن قبل دخولي إلى صالة السينما أنا نفسي التي خرجت من قاعة السينما بعد مشاهدة الفيلم.. فماذا حدث؟

ما حدث هو أنّني بدأت أنظر إلى الإسلام برؤية مختلفة عمّا كنت أنظر إليه سابقاً، هذا أولاً، وثانياً ازددت يقيناً بأهمية بل بخطورة الدور الذي تلعبه الإنتاجات الفنّية والإعلامية في تغيير المفاهيم والقناعات.

فيلم "بلال" جاء بشيء جديد: المقاربة .

نعم هي مقاربة المواضيع التي قد تأخذ بك إلى هدفك أو تتركك إذ أنت أو تعود بك إلى الوراء، المقاربة التي تمّ تناولها في هذا الفيلم هي مقاربة جديدة، هي ليست مجرّد تمثيل لأحداث السيرة النبوية أو تمثيل للسيرة الذاتية للصحابي بلال بن رباح، بل هي "عرض لبّ الإسلام".

لبّ الإسلام؟.. وما هو لبّ الإسلام؟

لطالما ذهبنا في ممارستنا لإسلامنا نحو العمل على ترسيخ العقيدة وتطبيق العبادات على أكمل وجه وتنمية الغذاء الروحي الذي يوصلنا إلى خالقنا، وهي كلّها مهمّة بل هي على درجة كبرى من الأهمية، لكن هل هي لبّ الإسلام؟ لا..

فقد وقع في قلبي بعد مشاهدة فيلم "بلال"، وكما نجح في إيصاله إلينا صانعو هذا الفيلم، أنّ لبّ الإسلام هو تحرّر الإنسان من قيود عبوديته الدنيوية، الحسيّة منها والمعنويّة، ليكون عبدا لخالقه وحده، فحين يكون عبدا لله وحده يصبح طائعاً لأوامره ومنتهياً عن نواهيه. ولبّ الإسلام يكمن في العدالة والمساواة بين البشر، على اختلاف لونهم وعرقهم وجنسهم، الذين هم كلّهم عباد لهذا الخالق الواحد الأحد. لبّ الإسلام هو أن تعتقد بحرّيتك كإنسان بمقدار اعتقادك بأنّ الذي خلقك قد خلقك لحظة ولادتك حرّاً لا قيود عليك إلا قيد عبوديتك له فقط، فتطيعه هو فقط وتعمل في دنياك ما يرضيه هو فقط، فلا تكون عبدا لسيّد أو لحاكم أو لمالٍ أو لسلطة.

لقد أراد صانعو فيلم بلال أن يقدّموا للسينما العالمية شخصيات رمزية لكل منها رسالة رمزية، مجموع هذه الرسالات يوصلك إلى "لبّ الإسلام". هي شخصيات مستوحاة من أناس وأحداث حقيقية، تجسّد بلال قوّة الإرادة والعقل والتوق للحق والحرية، فالحق هو الله، والحرية هي في عبادة الله وحده، وتجسّد أميّة التسلّط والظلم وعبادة المال والثروة، وأبو بكر الإنسانية والعدل والرأفة والكرم، وحمزة الإقدام والشجاعة والحق، والكهنة السحر والباطل واللهو والمتعة والأخذ بالعقول والألباب، والأصنام الأوهام والمعتقدات الباطلة التي لا تضرّ ولا تنفع.

في الفيلم لم يأتِ ذكر الإسلام قط، أو اسم "محمد" أو "القرآن"، أما "الله" فقد تم ذكره في أكثر من موقع بطريقة مباشرة (كالتكبير في نهاية الفيلم) أو غير مباشرة (أحد أحد، lord، God، دعاء سيدنا أبي بكر قبل المعركة القوي العزيز ومالك الملك..). لكن ما المانع؟ وهل هذه منقصة أو عيبٌ يُشين هذا الفيلم؟ أو هل هي "مؤامرة" وسمّ مدسوس في العسل كما يحلو للبعض أن يراه؟ طبعاً لا.. أنا أسمّي ذلك "ذكاء وحكمة" وليس غير ذلك، هي الحكمة التي جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلمّ يقول امحها يا علي في القصة التالية:

في صلح الحديبية، الذي كان بين كفار قريش وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يحج المسلمون البيت الحرام، اختار المشركون سفيراً لهم وهو سهيل بن عمرو لعقد الصلح. وبعد الاتفاق على قواعد الصلح، قال صلى الله عليه وسلم: هات اكتب بيننا وبينك كتاباً. فدعا الكاتب وهو سيدنا علي بن أبي طالب. أمر علياً أن يكتب حينئذٍ في بداية كتاب الصلح: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فاعترض على ذلك سُهَيل بن عمرو ممثّل المشركين، قائلاً: لا أعرف هذا، ولكن اكتُبْ: باسمك اللهم. فقال صلّى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم، فكتب علي عليه السّلام ذلك. وقال: اكتب بعد باسمك اللهم: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فاعترض سهيل بن عمرو وقال: والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا علي: امحها يا علي واكتب محمد بن عبد الله. فقال سيدنا علي: والله لا أمحوها أبداً يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: هاتها يا علي، فمحاها بيده عليه السلام؛ لأنه يعلم تماماً أن علياً لن يمحو كلمة رسول الله.

فهل أنكر رسول الله -عليه أفضل الصلاة والسلام- صفة الرحمن الرحيم عن الله عزّ وجل، أو صفة الرسالة عنه بمجرد محو ما أمر عليّاً بمحوه؟ طبعاً لا.. لكنّه كان ذكياً حكيماً، وصاحب رؤية استراتيجية، قرّر أن يتنازل عن تفصيل صغير لأجل شأنٍ عظيم، وأن يتجاوز مؤقّتاً ما يعتقد به ويبقيه في قلبه وعقله ليحقّق ما هو أهمّ في هذا الوقت، قرّر أن يخسر سطحيّا لأجل أرباح عميقة.

وهذه هي تحديداً استراتيجية صانعي هذا الفيلم: امحها يا علي!

قد توقّع البعض أن يرى فيلماً كفيلم "الرسالة"، بإسقاطه الحقيقي لأحداث السيرة النبوية، وهذا مهمّ لا شك، لكنّها مقاربة مختلفة، إنّها المقاربة ليس إلا.. ومن الواضح أن مقاربة فيلم بلال مدروسة دراسة عميقة جداً بحسب الجمهور المستهدف من الفيلم: الغرب!

فيلم بلال جرعة أمل لتغيير قادم، تغيير انطلق من وعي وإيمان عميق بأهمية الإنتاجات والصناعات الفنية الكبرى لإيصال رسالة الإسلام ولبّه، عن طريق مقاربات متنوّعة تخرج بالدعاة من الخطاب الواحد إلى الخطابات المتعدّدة التي إن لم يلامس أحدها قلباً لامسه الآخر، وإن لم يقنع أحدها عقلاً أقنعه الآخر.

تحيّة لكل من ساهم في فيلم بلال، إلى كل فريق العمل، هذا العمل فخر لكم ولنا، عمل جميل جداً، احترافي جداً، هو ملحمة من الإبداع والتقنية، هنيئاً لكم النجاح وأرجو أن تكون بداية لأعمال كثيرة أخرى بإذن الله.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.