المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جنان خالد  Headshot

فإِنَّكَ بأعْيُنِنَا

تم النشر: تم التحديث:

أما قبل:
"لأنّك الله لا خوف ولا قلق
ولا غروب ولا ليل ولا شفق
لأنّك الله قلبي كله أمل
لأنك الله روحي ملؤها الألق"


أما بعد:

أقول بضعفي عن القوي، وبعجزي عن القدير، وبجهلي عن العليم سبحانه.
يا لسرّ الكلمات، ويا لَعظمة المعاني!
حروفٌ حُفظت منذ مئات الأعوام بين دفتي كتابٍ أزلي لا يبهتُ بريقُ تجلياته أبداً.
حروف تنبعث من وراء حُجُبٍ إنْ استدِلت لصُعق من في الأرض جميعاً، أو لخرّوا سُجّداً ما زفروا.
حروف تحملك للآخرة بثبات إيمانٍ لا يخالطه شك، وبيقين آياتٍ ينبتُ نبضها في غابة الأمان.

"فإنّكَ بِأعْيُنِنَا"

يغادر البصرُ عينيك حتى يستوي على جبل العارفين، فيرتعش الفؤاد في كلّ مواجهة، لكنه يتجلّد ويصبر ليصبو إلى مقامه، تعلو الأصوات غربة، ويتسرب صوت واحد يؤنس وحشته من فضاء السماوات، ليحطّ على مطايا القلوب فيشهد رحيل شقائها.

"فإنّكَ بِأعْيُنِنَا"


أمنٌ لا أفول فيه.. وفجرٌ لا يأبه لليل مضى على استحياء.. وبحرٌ لا ينسى ما فعل الموج بشاطئه.. جفاف الظلماتِ قاسٍ.. والغرق في صخب الإيمان خارج أسوار اللحظة احتضار واستحضار لحياة النور الأبدية.

"فإنّكَ بِأعْيُنِنَا"

تُتلى عليك في كل مرة وكأنها أول مرة.. حقبة تلحقها حقبة، وظلالُ ملكوت الخلود تلوح من بعيد الحق.. مشهدٌ يعمر قلبك خشية، وثقبك الأسود لم يعد يطيق صدى العذل أبداً.. وتُشيّع الكلمات في رثاء ما تبقى، والإحساس بالخيبة يتلاشى في وطن لا اغتراب فيه ولا جفاء.

ويا لروعة حروف الجر إذا التصقت بأعين الكلاءة والعناية.. فالكلمات لا تموت حين تلامس عتبات الأرواح.. ومطر الحضور يجلو كلّ همٍّ ونصْب.


"فإنّكَ بِأعْيُنِنَا"

كلمات تيمّم شطر روحك نحو بارئها، حين تتشوه لغة تريدها أن تتجلى وتتبعثر لترسم صورة لا تعاش ولا تسطر.
ما أوسع الكلام حين يُفتقد، وما أضيق ارتباك الفراغ عند شدة الزحام حين يتجلى.
مائدة السهّاد تشتعل هدوءاً.. والصمت سيد كلّ موقف، وحركة الأقدام الخائفة، والأيادي الواجفة، والعيون الكاشفة تكفي لتظهر كلّ بَيّن وهمسة.

"فإنّكَ بِأعْيُنِنَا"

تغوص في أعماق النفس حتى تكشف الخبايا والخطايا، ويغادر بك النص في رحلة تستغرق تسبيح السَّفرة البررة، ومناسك السفر في إيحاء الكلمات تنساب من حبر أزلي، ويجفل الخيال حين لا يعود قادراً؛ لأن يطيق خبايا المقامات والأحوال، وجسر الوهم يعلوه الغباش وجسمٌ أعيته شيخوخة الصلصال.


"فإنّكَ بِأعْيُنِنَا"

تنحني الدروب على وقعها، ويتوهج الهمس في الحلوق الظمآنة، وتخوض الدموع في هلع الحقيقة، وتتوغّل الحناجر حين يشتد الوجد عند صرير الأفواه، نتسربلُ بحبٍّ منسوجٍ من وعد بالعناية بعد صبر مضنٍ، ويبدأ الزحف ليخرجك من فجاج الكون، وبين ظمأ الأرواح وتمرد النفوس، تبدو السبل كلها بكماء خرساء بلا أملٍ يُحتفى به، وكيف للمعنى أن يغيبَ عن الشهود في صلاة ثقة وميثاق العهود؟ وكيف تتلاشى الأسباب مثل أشباح تأكلها الأكفان؟

"فإنّكَ بِأعْيُنِنَا"

اتقاد ذاكرة، واستخلاص نطفة من ظلال الحقيقة، ووحشة الأقدام السائرة تتساقط من دخان الخطايا، صمتٌ يعلو الحلوق ولهيب الجوى يكوي الذنوب، وتذهب القلوب ولا تعود، إلى سراب دنيا لا تطوق.


"فإنّكَ بِأعْيُنِنَا"

نهاية سفر يلتقي فيه جوع الأرواح بوجع الصبابة، وكلما ازدادت الوجوه شحوباً، تلقفتها السبحات، وألقمتها النظرات، والغيمة تحصي، ورماد الأرواح تفوح منه رائحة حريق الحضور.


"فإنّكَ بِأعْيُنِنَا"

تطرّز ثقبك.. وتقبض على نزفك، وتخط اسمك في سجلات السماء، وتوقِف بكاء قدميك التي تساق بالصبر مرغمة.
دع تنهيدات الخلاص تلامس قلوب السامعين، وألحق بمراكب يغيب فيها الشقاء، وأهرب بعيداً من رمال الجذع.. ولا تنس أن تخلع نعليك قبل أن ينتصف العمر بالجفاء.. وتظل أسير مدّ وجزر يقيمان مأتماً لميت فيك.

قال تعالى: "واصبرْ لحُكمِ ربّكَ فإنّك بأعينِنا وسبّحْ بحمدِ ربّكَ حينَ تقوم" (سورة الطور: الآية 48).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.