المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جهاد صقر  Headshot

هدايا كسرى الجديدة... وصفة وحيدة لفرصة أخيرة

تم النشر: تم التحديث:

موسم هدايا جمهورية إيران "الإسلامية" للجيران لا يتوقف أبداً، فبالكاد يمر يوم دون تقديم لهدية ذات أبعاد رمزية.

ولم تعد هدايا الجار غريب الأطوار لتقتصر على الألعاب النارية، تُقطّع- بالقطاعي- مستلميها على شكل خبرات وبراميل وصواريخ غراد متفجرة بالجملة، بل صار للفن التشكيلي نصيب على شكل الهدية.

هدية عيد فطر هذا العام جاءت بنكهة نووية، تمثال حرية بوصفة فارسية، قطعاً ليس بأناقة النسخة الأمريكية الأصلية ذات الجذور الفرنسية الرومانية الشامخة على سواحل نيويورك الأمريكية. ما يهم هنا أن النسخة الفارسية تعلمت الكثير من النسخة الرومانية التي ردت- بأحسد منها- تحية الفارس المسلم عقبة بن نافع من ضفة المحيط الأطلسي الأخرى بالعربية: "يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك". ربما تأخر الرد الأمريكي قروناً من الزمن، لكنه جاء أخيراً رداً بنكهة نووية في أقصى الأرض-هيروشيما وناغازاكي- حيث تتبخر الضحية... وتُوِّج الكاوبوي قوة عظمى ليومنا هذا فحُسمت القضية.

قصة لم تمر دون أن تلتقطها عين لأحفاد كسرى كوصفة لاستعادة أمجاد أدنى الأرض ولكن كقوة أخرى نووية. أوليس أحفاد ابن الخطاب ورسوله ربعي بن عامر بخطابه في بلاط كسرى: "جئنا لنخرجكم من عبادة العباد لعبادة رب العباد" أولى برد التحية؟

العودة لعبادة كسرى ستكون بالنووي هذه المرة... بقديم حضارة ما جاوزت تطاولاً في بنيان، وتمايلاً بأبيات شعر، دون حظ في اختراع وعلم... شاء من شاء وأبى من أبى، خلافاً لإقرار نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام: (إذا هَلَكَ كِسْرَى فلا كِسْرَى بعدَه)، كما ورد في سنن الإمام الترمذي المتحدر من آسيا الوسطى التي تضم إيران.
ومن مفارقات غرس تمثال كسرى وسط الأمواج المتلاطمة في فم الخليج العربي- الفارسي لدى أحفاده-، أن فارس التي ليس لها بالأصل منفذ بحري البتة، لا تفتأ تدعي أحقيتها بالسيادة على كل ما يحيط بالتمثال من ضفاف خليجية، وهي بكل الأحوال عربية، سواء الأحوازي منها تحت الاحتلال الفارسي منذ تسعين عاما، أو قبالته ساحل مجلس التعاون لدول خليج عربي يتوعده- بمصير بغداد- مجلس فارسي للهيمنة على المحميات العربية- بمظلة مطاطة أمريكية-، حسب ما يتفق عليه تمثالا الحرية بنسختين الأصلية والمقلدة. اتفاق مع شهادة حسن سلوك للمندوب السامي الجديد تخطه شلالات الدم المتدفق من سكاكينه قيد التشغيل-بالعدل- بين الخليج والبحرين الأبيض المتوسط والأحمر القاني، بصحبة معزوفة الموت الطائفية "لبيك يا قدس... لبيك يا هوسين أوباما".

حديث الدلالات والرموز إذاً شائك طويل، تناول مقالي "صفقات لوزان.. تاريخ من استهداف العرب" بعضاً منه، متوقفا عند رمزية اختيار مدينة لوزان السويسرية مكاناً لمفاوضات النووي الإيراني، وفندق "لافارج" تحديداً حيث تم اقتسام إرث الدولة العثمانية بين منتصري الحرب العالمية الأولى، لتصل السطور لخلاصة مفادها "أن تفكيك البرنامج النووي- ومعه الأطماع الإيرانية- لن يتأتى دون تفكيك إيران نفسها".

إن نفخ الروح النووية في إيران كقوة هيمنة إقليمية من رحم انهيار جبهاتها الداخلية والخارجية في الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وعلى وقع استنزاف قوتها العسكرية مع هزائمها المفتوحة في الأرض العربية من العراق إلى اليمن وسورية، لا بد أن يقابله خفوت نجم قوى إقليمية أبرزها مجلس التعاون الخليجي وقاطرته العربية السعودية... خفوت مقدماته واضحة جلية، ليس أولها انحياز الحلفاء كالولايات المتحدة الأمريكية لإيران النووية، مع إشارات مماثلة من بالكويت وعمان والإمارات العربية، تاركين قطر والبحرين- وحدهما- بجانب السعودية.

ما يعنينا هنا الدول غير المرتمية في الحضن الإيراني الذي لا يضن على مخالفيه بتهديدات شبه يومية، لم تسلم منها المشاعر المقدسة بمكة والمدينة بكل ما تمثله من شرعية دينية للعالم السني قبل المملكة العربية السعودية.

إن تغير خرائط المنطقة اليوم هو في الواقع استجابة منطقية لأخطاء الماضي وآخرها ثورة العرب المضادة على ربيعهم الذي اعتبر فرصة نادرة- لم تُستغل- لتأسيس عقد اجتماعي جديد بين الأنظمة الحاكمة وشعوبها، على قاعدة تضمن ازدهار واستقرار مصالح الطرفين والمنطقة برمتها.

وإن تغول الثورة المضادة بقيادة بعض دول خليجية بالمخالفة لقاعدة "لا تقتلوا أسودَكم فتأكلَكم كلابُ أعدائكم"، هو ما أفرز أسوأ حلقات التغول الخارجي مستهدفا المنطقة وعلى رأسها التغول الإيراني الذي نافس الإسرائيلي. وبالقطع لم يكن لمثل هذا التغول أن ينجح لو لم تتخلّ دول الخليج عن عمقها الاستراتيجي شمالا، حيث بلاد الشام- ووراءها تركيا- بكل ما يضمه من ألوان طيف المقاومة بنكهة غزية فلسطينية عراقية سورية لبنانية سنية تذود عن الأمة العربية. أما تدارك بعض العمق الجنوبي في اليمن متأخراً، فلم يخفف من خسارة العمق الاستراتيجي غرباً، بدعم عربي مشؤوم للانقلاب على الشرعية المصرية، وخنق السودان فتقسيمه، ثم دعم بناء وتمويل سد النهضة الأثيوبي بآثاره الكارثية من تعطيش وتدمير للزراعة والصناعة والطاقة- بل والحياة- في وادي النيل.

أما خسارة العمق الاستراتيجي- حيث التربص الإيراني- في الشرق فكان فاتحة الكوارث التي انتهت بالثورة المضادة، إذ فتح خنق العراق اقتصاديا على يد إخوته- أيام مداواة جراح حربه مع إيران دفاعاً عن مصالح العرب- أبواب جهنم. إن كيد الجميع للعراق آنذاك وإغراقهم سوق النفط بالنفط لتنهار الأسعار وليتعطل إعمار وتنمية العراق، كان الشرارة التي أحالت المنطقة حروباً بين أهلها لمصلحة غيرها، ليسقط عمق الشرق الاستراتيجي- العراق- بيد ألدّ أعدائه، تلته باكستان التي تشكو نقص الطاقة، ليغدو اقتصادها بصناعتها وسياستها رهناً لأنبوب غاز إيراني قيد الإنشاء، وسط غياب عربي تام عن المشهد.

إذاً فمن الطبيعي أن يُسقط انكشاف استراتيجي بهذا الحجم أنظمة ومصالح عربية خارج الحسابات الدولية، لتمسي منطقتنا لقمة سائغة لهيمنة إيرانية- تنوب عن القوى الكبرى. وما تفجيرات السعودية بإمضاء من ثنائية إيران- داعش، وما اكتشاف أسلحة إيران المهربة مؤخراً في البحرين- وقبلها تصنيع المتفجرات في الكويت سوى مفارقة ساخرة تتزامن مع استقبال وزير خارجية إيران الزائر لبحث قواعد اللعبة الجديدة، وضوء أخضر لحشد شعبي حرس ثوري قادم.

تُرى كيف تبدو فرص نجاة دول المشرق العربي في الوقت الضائع بعد إضاعتها الكثير من فرص النجاة وليس آخرها عروض شراكة بدأها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين قبل غلطته بغزو الكويت، وجددها الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان، وتوجّها الرئيس المصري الشرعي محمد مرسي بعبارته الشهيرة: "أمن الخليج خط أحمر؟"

نقول إن كان سير المعالجة يتم وفق نهج التعاطي الحالي مع قوى الإقليم وخارجه فعلى الجميع السلام.

أما إن كانت المعالجة جادة تتضمن ترميم عمق المنطقة الاستراتيجي بنفس السرعة التي أعلنت بها السعودية مؤخراً شق أول طريق بري يربطها مباشرة بسلطنة عمان، فالأمل في النجاة كبير وما سواه وصفه انتحار. إذ لا بديل عن:

ترميم الجبهة الداخلية بإرساء علاقات جديدة ببن الحاكم والمحكوم على قواعد من العدالة الاجتماعية تضمن الحريات والمشاركة الشعبية في مؤسسات الحكم واتخاذ القرار والثروة وتكافؤ فرص السوق والمجتمع، وأن لا أحد فوق القانون.

تأسيس شراكات جديدة في العمق الاستراتيجي للإقليم تقوم على إسقاطات الانقلابات العسكرية والطائفية ضد الشرعية والقانون وحقوق الإنسان في دوله، وبالأخص مصر وسوريا والعراق وفلسطين ولبنان، عبر الضغط لتمكين الشرعية من استعادة موقعها على الخارطة السياسية، ومن ذلك دعم حركات المقاومة السورية والعراقية والفلسطينية والأحوازية والبلوشية، وبالطبع دعم أنصار الشرعية المصرية والوطنية اللبنانية، ولا بديل للجميع عن العمل العاجل لإعادة رئيس مصر الشرعي المنتخب- لا العسكري المنقلب-، وتعاون الكل مع حلفاء الداخل والخارج للبدء في تقليم أظافر إيران في دول الإقليم وما أكثرها.

بموازاة ذلك تسريع خطط إرساء سوق مشتركة تضم إضافة لدول الخليج- غير الراغبة في الارتماء في الحضن الإيراني- كلاً من مصر والعراق وسوريا والسودان وتركيا ولبنان وباكستان ومن يرغب-كالأردن وفلسطين واليمن-.

توقيع اتفاقات دفاع مشترك- بديلا لدرع الجزيرة التي تجاوزتها الأيام- تضم دول السوق المشتركة، على قاعدة لا تقل عن الاتفاقية الموقعة بين قطر وتركيا كصمام أمن، يسمح لقوات كل بلد في الانتشار في أراضي البلد الآخر بناء على طلبه.

ربط أسواق دول السوق المشتركة- دون إبطاء-، وعلى الأخص سوقي الطاقة الباكستاني والتركي بسوق الطاقة الخليجي، بأنابيب النفط والغاز- بما يغني عن النفط والغاز الإيراني-، وصولاً لخطوط تركيا الأوروبية- بما يجعل من استقرار المنطقة حجر الأساس في العلاقات الدولية-، وبما يجعلها حجر زاوية له الحصة الكبرى من عائدات مشروع طرق الحرير بين الصين وأوروبا، كمنافس حقيقي للطريق الذي تعمل عليه الصين وروسيا مخترقاً أوزبكستان وشرق أوروبا بعيداً عن المنطقة وتركيا.

وضع العبث الإيراني الطائفي بأمن المنطقة في حجمه الطبيعي، بالعمل الدؤوب على تحرير الخليج العربي والمستعمرات الإيرانية في محيطه كأولوية استراتيجية عاجلة، تتضمن الدعم الحقيقي- وليس بالخطب- لتحرير بلاد الأحواز وبلوشستان وكردستان وأذربيجان الجنوبية وبختيار، بما يعمل على تفكيك الخطر الإيراني بالمطلق وإرساء الحرية والحقوق في هذا الجزء من العالم، وكفى الله المؤمنين شر القتال.