المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جهاد بريكي Headshot

سيلفي الموت

تم النشر: تم التحديث:

استيقظت اليوم بنشاطي اليومي المعتاد، وعلى نغمات "الست" -رحمها الله- في رائعتها "ليلة حب "..كم أعشق صوتها الرخيم وإحساسها العميق، كانت تشدو وتبدع وقلبي يدندن معها" تعالى تعالى تعالى شوق العمر كله نعيشه من القلب الليلة دي"، وكعادتي لا يعكر صفوي شيء ولا يسيء لطقس يومي أحد.

فتحت رسائلي لأرى جديدها، وأنا أسكب قليلاً من قهوة أعدت على نار هادئة وخُلطت بقرفة ناعمة وزنجبيل قوي الرائحة والمفعول؛ ليظهر لي على الشاشة صورة لطفلة نائمة، لم أقرأ ما كتب أعلى الصورة، كانت رسالة من قريبتي تطلب مني أن أرى أين بلغت حماقة إحداهن، وقد وضعت صورة لطفلتها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، كانت رضيعة ربما لم تكمل سنة واحدة من عمرها وقد فارقت الحياة، الأم الصالحة نشرت الصورة في إحدى المجموعات النسوية التي تضم الآلاف، نساء ورجالاً، يتخفون بحسابات وهمية، وتطلب من الموجودات الدعاء لها، رضيعة شاحبة، مستلقية كغريق لفظه الموج من أعماق محيط غاضب.. صورة أقل ما يقال عنها مدمرة.. فقدت كل ذرة هدوء في، ولم أشعر حتى وجدتني أكتب هذا المقال.

تمنيت لو أني لم أفتح الرسالة، ولا رأيت ما فيها، ولا اكتشفت وجود أُم كتلك على سطح الأرض.

تذكرت أيضاً عندما قامت إحدى المراهقات بالتقاط صورة "سيلفي" مع جدتها المتوفاة، ومن ثم قامت بنشرها، راجية من أصدقائها الدعاء لها، أذكر أيضاً كيف انتفض في وجهها رواد الموقع الأزرق بقوة لتضطر لحذفها فيما بعد.

هزلت يا أعزائي.. فعلاً هزلت.

هزلت قيمة الحياة وقدسية الموت، وهيبة الارتباط والميثاق الغليظ، صارت حياة الناس مستباحة لكل متتبع، محب أو حاقد، والحقد أكثر وأعم، لم نعد نمتلك شيئاً يدعى الخصوصية، وهو ما كان من قبل سراً من الأسرار الذي يحافظ عليه الزوجان ويحميانه بكل الحيل والوسائل من تدخل الآخرين واكتشافهم له، فلا يعلم ما يجري داخل البيت سوى أصحابه، ولا يقرر في مصيره سواهم، بتفاصيلهم الصغيرة السرية التي تمنحهم شكلاً خاصاً وتضفي لعشرتهما ذوقاً مميزاً.. حتى جاء هذا الزمن الأغبر ليفقد كل ذلك معناه؛ لننتهك فيه خصوصياتنا بأيدينا ونسمح للأنوف الفضولية أن تنحشر بيننا وبين من نحب، ونجعل أغلب صراعاتنا بسبب غبائنا في التعامل مع العالم الافتراضي، فتنشر الزوجة تفاصيل حياتها مع زوجها ما الذي قاله وما الذي لم يقله، وكيف يعاملها وماذا أهداها، وبماذا يفكران وكيف يعشقان، فلم يتبقَّ لهما من السرية سوى ما يقع داخل غرفة النوم، وربما نجد في القادم من الأيام من تحكي تفاصيل حياتها الحميمية، هذا إن لم يكن فعلاً من تفعل ذلك الآن، نأخذ صوراً ليس للذكرى أو لتخليد الحدث وشاعريته، بل لعرضها على بقية العالم، تفاخراً، وتنافساً حول من يحبها زوجها أكثر، ومن يمنحها الهدايا الأفخم، ومن تتقن فن المغازلة أكثر وأكثر.. ليقع ما يقع للسر عندما يخرج من قلبين ليستوطن الألسن.. فيفقد سريته ويصبح حديثاً بليداً مستهلكاً، وفاسداً.. يفسد الحياة ويفقدها جمالية الغموض.

فكم من بيت هُدّ على رؤوس أصحابه بسبب صورة! وكم من زوجة أعمتها الغيرة بسبب تعليق إحداهن على صور زوجها فجارت إبليس في مخططات التجسس على زوجها! وكم من زوج فارقه النوم وغشيه الشك بسبب إدمان زوجته على الهاتف! وكم من علاقة أبوة تصدعت بسبب منشورات أو صور لا ترضي الأب أو الأم!!

بلغت بنا الحماقة أن ننشر موت أحبائنا ومرضهم استجداء لتعاليق و"لايكات" أكثر، تبا "للايك" الذي يجعلنا مشوهين لا نملك من حياتنا شيئاً.

صدقاً.. أشتاق فعلاً لعالم لا يعلم تفاصيله غيري، ولا يحيط بأحداثه سواي، أشتاق العودة لأيام كنت أكتب لي وآخذ صوراً أحتفظ بها لنفسي، أتمنى بقوة أن أحتفظ بمشاعري فقط لمن أحب، وأن لا يشاركني أحد في محبتي له، أشتاق أن أمضي يوماً أتأمل السماء بهدوء لا يقلق نظري شعاع هاتف ولا رنين رسائله.

أشتاق فعلاً أن أمضي يومي أمسك بيدي الاثنتين يدَي من أحب، لا ألتقط صورة ولا أبتسم لـ"سيلفي".. فيا ليتني أقدر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.