المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جهاد بريكي Headshot

لو لم يكن عدنان إبراهيم في حياتي ..

تم النشر: تم التحديث:

على غرار مقال قرأته لإحدى صديقاتي بعنوان: "لو لم تكن فيروز في حياتي"، تأملت لدقيقتين، من هو الشخص الذي يمكنني أن أضع اسمه مكان "فيروز"؟ من تلكم الشخصية التي دخلت حياتي فقلبتها رأساً على عقب؟ لأضعها في مكان يستحيل بغيابه أن تكون أنا هي أنا.. لم أجد سوى عدنان. نعم عدنان إبراهيم الدكتور ابن النصيرات، الذي قيل فيه ما قيل، والذي جعله البعض قديساً والبعض الآخر شيطاناً، الذي وُصف بما لم يوصف به رجل قط.

قيل إنه علامة زمانه، الرجل الموسوعة، الظاهرة الغريبة، الإمام المجدد، وقيل إنه الزنديق الضال، الشيعي الممارس للتقية، الخارجي السني الإباضيق الزيدي القرآني العقلاني الظاهري الصوفي الإسلامي العلماني.. وهو الطبيب الغزاوي الذي تربى في المخيمات الفلسطينية والذي ظهر في حياتي فجأة فزعزع عقلي ورجّ كل أفكاري كما يفعل الموج الغاضب بقارب صيد بئيس.

عدنان هو ذلك الرجل الذي تقف أمامه ثم تعود من حيث أتيت. هل هو داعية أم سياسي؟ هل هو أستاذ أم شيخ؟ رجل دين وخطب أم رجل فن وعشق؟ ففي الوقت الذي تعتقد أنك فهمت الرجل تكتشف أنك مازلت بعيداً جداً عنه.

تجربتي معه هي تجربة طالبة صعبة الإقناع مع أستاذ قوي الحجة، لا هي اقتنعت بكل ما يقول ولا هو تنازل عن شيء مما عنده. أخاصمه حيناً بعد خطبة أو درس يستفز فيه أفكاري وما تسرب إليّ من المجتمع والتربية. أصالحه حيناً آخر. ويكون أول من أبحث عنه عندما يشقيني البحث عن جواب تائه. عدنان هو بمثابة قمة شاهقة لجبل عنيد، تقف أمامه ناوياً الصعود، تضع رجلك الأولى ثم الثانية فتشعر بالإرهاق. تلوم نفسك، ما لي ولهذا! عرفته أم لم أفعل.

كل ذلك لن يغنيني شيئاً، سوى تلبية فضول غبي.. لكنك تدرك في قرارة نفسك الساكنة أنه جبل يستحق لتسلق.. ستشقى في الطريق.. ستتأذى.. سيسيل الدم من أصابعك.. سيؤلمك رأسك.. ستسفرغ معدتك.. لكن نشوة الوقوف على القمة ستجعلك تستصغر كل هذا التعب.. ستقودك لكي تكتشف السر وراء رجل ليس بالعادي.

المقال ليس دعوة لتمجيد الرجل ولا لتلميعه ولا لنقذه ومقارعته، فلست أهلاً لا لهذا ولا لذاك، ما أكتبه هنا هو حيرة تعتصرني كلما حاولت تحديد موقفي منه. فمرة أراه مغتراً بعلمه ومرة أجده إماماً جليلاً يسكن التواضع قلبه. مرة أقول إن الرجل يتعارض مع نفسه ومرة أجده قمة في الحكمة.

عدنان صار جزءاً لا يتجزأ من حياتي.. كأني به ذلك الوالد الذي أنجبني واختفى ثم تركني للأيام، في صراع البحث عنه.

ثم جلست أعُدُّ ما الذي أضافه لي الرجل في ثلاث سنوات؟ ماذا قدم لي؟ ماذا لو لم يكن في حياتي؟!

لو لم يكن عدنان في حياتي لما عرفت جلال الدين الرومي، ولا شمس تبرز، لما قرأت أبياتاً من المثنوي وتمنيت لو أني ولدت في قونيا في عصر التسامح والرقي، لما تهت في بحور التصوف وبكيت في منتصف الليل وأنا أسمعه يقرأ من شعر مولانا.

لو لم يكن عدنان في حياتي لما تعرفت على ستيفن هوكين ولا إبداعاته، لما عرفت أن هناك شيئاً يدعى نظرية الأوثار الفائقة، ولا كل تلك المعجزات الإلهية في هذا الكون الشاسع، لما فتحت ثغري استغراباً وتعجباً وهو يروي دقة خلق الوجود بديع هذا الصنع الإلهي الخارق.

لو لم يكن عدنان إبراهيم في حياتي لما تعرفت على محمد عبه وتلميذه طه رشيد رضا، لما بكيت الحسين، لما عرفت سن عائشة، ولا سافرت مع أبي حامد في بحثه عن الإحياء، لما تخلصت من شبهات كانت تخجلني في ديني.

لو لم يكن عدنان في حياتي لم عرفت جورج أرويل، وما أدراك ما أرويل، لما قرأت مزرعة الحيوانات ولا 1948، لما زاد عشقي للفن والموسيقى، لما بحثت عن أفضل الكتب لأضعها فوق رفوفي أتحين الفرص لألتهمها بكل شوق.

لو لم يكن عدنان في حياتي لما وقفت مع نفسي أتساءل: من أنا؟ وإلى أين أسير؟ وماذا أفعل؟ وماذا أريد؟ لما طرحت السؤال الكبير: أين الحقيقة؟

لو لم يكن عدنان في حياتي لبقيت بائسة التفكير صبيانية الفهم، لبقيت مخدوعة الروح بكلام المقررات المدرسية والبرامج التلفزية التي توهمنا بأن تاريخنا هو تاريخ مجد مطلق وخير مطلق ونصر مطلق، لكنت إلى اليوم أرى في مَن هو على غير مذهبي رجعي ظلامي، أو متزندق سخيف.

لو لم يكن عدنان في حياتي لما عرفت ليسينغ، ولا الإنسان الذي يريده الله.

لو لم يكن عدنان في حياتي لما تجرأت على أن أكتب ما يصرخ داخلي، لما صارت الكتابة ملاذي الآمن ولا القراءة همّي الشاغل، لما كنت هنا أحكي عن رجل دوخني بعلمه وكلامه.

سيبقى عدنان ما شاء الله أن يبقى تلك الأحجية المستعصية على الفهم، ذلك البركان الخامد العنيد الذي يرفض أن ينفجر لكنه في الآن نفسه يلفحك بشراراته ليلهب عقلك.. سيبقى ما شاء له الله أن يبقى معلمي الذي أخاصمه وأصالحه، أقاطعه ثم أطلب حق العودة، أعاتبه وأجامله، أبتعد عنه وأقترب منه، أخالفه وأوافقه، ألومه وأدافع عنه، أخبر الناس به، وأشتكي لأمي منه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.