المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جهاد بريكي Headshot

ثم يؤذن في أذنيه .. الله أكبر

تم النشر: تم التحديث:

هناك خط رفيع بين الحياة والموت، يسمى ألم الولادة.

قبل أن أدخل كلية والطب وأنخرط في التدريبات الإكلينيكية كل يوم وأمر على المصالح والأقسام الطبية كل يوم فيغزو المستشفى روتيني اليومي بعد أن كنت لا أطيق حتى زيارته بسبب رائحة الأدوية وآلام الناس التي تصيب بالهلع.. كانت الولادة لا تعني لي سوى أن امرأة ذهبت للمستشفى فعادت بطفل جميل، يبارك الكل لها، فتزغد النسوة وترقصن!

حتى مررت من مصحة طب النساء والولادة.. هناك حيث تنبثق الحياة من رحم المعاناة ويشرق الوجود من قلب المأساة.

دخلت وهي امرأة شابة بعمري أو أقل، كان المخاض يعتصرها حتى تنخرط في نوبة هذيان وأزمات هيستيريا، كانت صغيرة لتجابه هذا الألم المتوحش، هذا المارد الشرس الذي يفتك بأعضائها ويمزق لحمها، تنظر حولها وتبحث عن مخلص، تنادي الطبيب وتستنجد بالممرضة، تصرخ أن خلصوني من ألمي فما عدت أطيق، تقسم بأغلظ الأيمان أنها لن تحبل ثانيةً ولن تفكر في الإنجاب مرة أخرى، تمر سنة، اثنتين، تعود لنفس المستشفى بألم جديد وحبل جديد، تكرر نفس القَسم. لكنها تحنث في قسمها كل مرة.

يستعد الجنين للخروج ينقبض الرحم يتحرك الجنين دافعًا برأسه نحو الأسفل، يهدأ قليلًا، يسكن انقباض الرحم، يعود الجنين للحركة ينقبض الرحم، تبكي الأم.. تصرخ.. تلهث.. ينكمش جسمها يتمدد. تسكن بسكون الألم، تعود للبكاء .. تصرخ، تفقد السيطرة، تلهث من جديد.
من عمق ألمها تمنح جنينها الحياة.. من عمق مأساتها تعلن بداية مسيرة جديدة.. من عمق جرحها تخط مشوار إنسان جديد!

يتمزق اللحم ويجري الدم، ليخرج المولود الجديد بخدين ورديين كتفاحة ربيعية اعتنى بها الفلاح عناية خاصة.

يفتح عينيه ليرى نور الوجود فيوضع فوق صدر الجسد الذي خرج منه، لا يدله دال على أنه هو نفسه الذي نضج داخله وصار مخلوقًا مؤهلًا للحياة بفضله، يشم عرق ذلك الجسد الذي تمزق لإيجاده، فيدرك أنه في مأمن.

فتنسى هي كأن شيئًا لم يكن، كأن لا ألم فتك بها ولا وجع استبد بجسمها، تنسى كأن شيئًا لم يحدث، تنسى كأنها لم تبك ولم تلهث ولم تصرخ ولم تفقد وعيها، تنسى أمام تلك القطعة الصغيرة من اللحم والعظم معاناتها ومأساتها التي كانت تعيشها قبل دقائق فقط، تنسى حتى نفسها، وتنسى أنها أقسمت أن لن تنجب أخرى، فتحنث وتنجب من جديد!

يحمل الوالد المولود بين يديه، يحمل البذرة التي زرعها في رحم حبيبته، فيُسمعه الأذان بصوته الذي اعتاده لشهور، يخبره أنك بمأمن، يخبره أنه ما دام الله كبيرًا بداخلك، فأنت بخير، وستظل كذلك ما لم تجعل نفسك أكبر.

يكبر المولود وينسى، كما نسيت أمه من قبل، ينسى أنه جاء من رحم المعاناة ومن عذاب أليم، ينسى أنه لولا الألم ما انبثقت الحياة، ولولا الوجع ما كان الإنسان، ولولا الظلام ما كان الفجر ولا النور.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع