المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جهاد إبراهيم Headshot

الحبّ .... إسقاطا

تم النشر: تم التحديث:

خطّطَ للقائها بعد ثلاثين سنة من افتراقهما، أو منذ أن تركته وحيداً في هذا العالم، كما يحلو له أن يتخيل، لقد وفرت له وسائل التواصل الاجتماعي يوماً ما خلفه، كانت استجابتها له دافئة مرحبة ومُرتبكة بنفس الوقت، اتفقا على اللقاء، وأعدّ نفسه للسفر على عُجالة.

الحديثة فرصة اقتفاء أثرها، ومن ثَمّ التواصل معها ففعل، كانت قد عادت لتستقر في موطنها الذي لا يفصله عنه سوى البحر، وليس المحيط الذي التقيا
هو لا يدري ما الذي دفعه لذلك، هو يدرك أنه ليس بصدد نسخ الماضي أو كتابة المستقبل فقد مضى الأوان على ذلك، وهو بالتأكيد لا يسعى لالتئام الجرح الذي عرّف به نفسه والذي أصبح ملاذه الوحيد طيلة حياته، وهو كذلك مدرك تماماً أنه معرض لخيبة أمل حين يقابل تلك المرأة بعد ثلاثين عاماً؛ إذ قد تتبدد الصورة الملائكية الجميلة التي حُفِرت في ذاكرته، نازعته نفسه أن يعدل عن اللقاء، لكنه شعر بأنه مدفوع لأن يغلق دائرة مفتوحة وقف على حافتها طيلة حياته.

بالتأكيد هي لم تكن تدرك في تلك الأيام غزارة عاطفته تجاهها أو مقدار حاجته لها، وهو -ربما حرصاً منه على تحقيق نوع من التوازن في العلاقة آنذاك- لم يخبرها، بالنسبة له كان يرى في حبها له غاية ونهاية طريق، فهو قد اختزن لتلك العلاقة ما تراكم من مشاعره وعواطفه العابرة والمقيمة منذ طفولته وقدّمها لها، حين تعرف عليها في مقهى الجامعة ذات صباح أدرك أنها هي مصب أحلامه وآماله، لم يكن يأمل بأكثر من لحظة حلول صوفية بين ذراعيها (وليَمُتْ بعدها فهذا لا يهم ما دام قد حقق غاية وجوده)، هي كانت موئلَه في وحدته واغترابه وتجسيداً لقصائد الحب والروايات التي قرأها طيلة حياته.

في الماضي هي لم تصدّه تماماً، ولكنها لم تقرّبه كما تمنى، كان يتلقى منها رسائل متناقضة تتراوح بين القبول والحياد والصد، كانت تجذب الخيط أحياناً، وأحياناً ترخيه، وكان هو كحصى الساحل يتقلب بين مد وجزر، حتى أتى ذلك اليوم الذي استقر فيه الحصى على الشاطئ وفارقته بهدوء، وقتها لم يبذل جهداً كبيراً كي يقنعها بالبقاء، هو فقط لملمَ ذاته المبعثرة وابتعد، ربما لعزة في نفسه هي كل ما تبقى لديه، أو ربما لأنه كان يائساً من جدوى أي محاولة، أو أنه كان في الأصل مستكثراً على نفسه أن تنال ما تصبو إليه، لكنه بكى طويلاً تلك الليلة.

مرت الأيام وعاد الفتى إلى موطنه، استمرت حياته كما ينبغي لها طبيعية هادئة وجافة، لكن البذرة التي زُرِعتْ في قلبه نمت لتصبح شجرة استحوذت على مشاعره وذاكرته، وتشعبت فروعها لتحجب الشمس عن أي نبت آخر قد ينمو حولها، فقد القدرة على الشعور بالعاطفة تجاه أي امرأة أو ربما أي شيء، حتى ذكريات طفولته القديمة شعر بأنها ليست حقاً ملكه فقد بذلها لتلك الفتاة فيما بذل ولا حق له في استعادتها، كانت ذاكرته وكأنها موقوفة عليها، وكأن الذكريات المرتبطة بها طغت على غيرها رغم أنها لم تكن لمواقف مؤثرة بل كانت في الغالب بسيطة ومتواضعة كشرب فنجان قهوة الصباح في مقهى الجامعة، أو تشابك الأيدي تحت الطاولة في حفل، كان أحياناً يحلم أنه قريب منها دون أن يراها، فيستفيق وقلبه مفعم بمشاعر شجية ليست كأي مشاعر أحس بها مستيقظاً، هو أدمن ذلك الحزن وتلك المشاعر وتآلف معها، بل وأصبح يستحثها بين الفينة والفينة كأنها النافذة الوحيدة التي يطل من خلاله إلى أعماق ذاته فيلامس إنسانيته.

وكان اللقاء، حين رآها لم يبكِ كثيراً كما توقع، بدا على جبينها أثر مرور السنين لكن معالم وجهها لم تتغير كثيراً، سألها هل أحبته فعلاً؟ قالت له: بالتأكيد، ولكنها لم تكن مهيَّأة للالتزام معه في تلك المرحلة، هي لم تدرك إلى تلك اللحظة أنه لم يكن يبحث عن التزام بقدر ما كان يبحث عن دوامة حب آنية أو لحظة اشتعال لا يهمه ما يكون بعدها، تحدثا طويلاً عن ذكرياتهما معاً، كانت تصف الأحداث ضمن تسلسل زماني واضح وبموضوعية مراقب الأحداث لا المشارك بها، وحين تحدث هو بدا كمن يقرأ رواية لماركيز تتداخل فيها الأزمنة والأمكنة والانطباعات والمشاعر والأحلام والواقع، لأول مرة حدثها عن عمق المشاعر التي يكنّها لها وما كانت تعني بالنسبة له، فوجئت بصمت وارتبكت قليلاً ثم أجابته: لقد كنا صغاراً آنذاك ولربما لم أكن قادرة على استيعاب ذلك الفيض من المشاعر، وحين حل المساء افترقا وعاد كل منهما لعالمه.

في الماضي حين كان يتفاعل معها كانت ذاته تنشطر إلى اثنتين، إحداهما تمارس الحديث والإصغاء أو الابتسام أو العناق، والأخرى ترقى بتلك التفاصيل لعالم مثالي أفلاطوني تتشكل فيه الأحلام والذكريات وتتولد منه العاطفة، ولكن في ذلك اللقاء الأخير خرجت الذات الأولى فقط، وكان التفاعل مسطّحاً ومحدوداً ببُعد واحد، صوت دون صدى، هل هو التقدم في السن أم التعقل أم اليأس أو التقادم؟! هو لا يدري لكنه أحس بشيء من الفقد كأنه سيزيف يصعد بصخرته لآخر مرة قمة الجبل.

وحين غفا في المساء حلم بها، كانت تجلس معه على طاولتهما المفضلة مع بعض الأصدقاء في مقهى الجامعة، ولأول مرة لم يكن متحفزاً للحظة اشتعال وجداني ينتهي بعدها كل شيء كما كان يمنّي نفسه دائماً، لقد كان يشعر أنهما حبيبان متلازمان بينهما ماضٍ وأمامهما مستقبل معاً، حينها أضاف إحساساً جديداً لم يكن قد شعر به من قبل لقاموسه العاطفي، شعور خاص يمتزج فيه الحب بالأمان والاستقرار والسكينة والثقة فالتي أمامه كانت وما زالت وستبقى معه، وفي نهاية الحلم تقدم نحوها ولامس شعرها بخده ثم هوى برأسه ببطء حتى استقر على كتفها.

حين لامس خده شعرها ابتدأ الكون، وحين استقر رأسه على كتفها انتهى الكون.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.