المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جهاد إبراهيم Headshot

شيئية الفراغ والخلق المستمر (رؤية علمية)

تم النشر: تم التحديث:

كتاب أبيض الصفحات خالٍ من الغلاف إلى الغلاف، إطار لوحة فارغة معلق على جدار، فرقة أوركسترا تجلس في صمت، بعض المحاولات الفنية للتعبير عن الفراغ أو العدمية.
يردد جون لينين مع فرقة البيتلز في أغنية الغد لا يعلم أبداً: تخلص من أفكارك واستسلم للفراغ، إنه يشع.
Lay down all thoughts, surrender to the void - it is shining
وبسؤال الكاتب جورج برناردشو أي كتب سوف يأخذها معه إلى جزيرة معزولة؟ فيجيب بأنه سيأخذ كتباً فارغة فمع الفراغ تصبح الإمكانيات لا متناهية، ولطالما كان الفراغ منصة الإبداع والخلق وإذا كانت الأمور تعرف بأضدادها، فإنه لا بد من العدم ليكون هناك وجود.
اعتبر الفيلسوف الإغريقي ديمكراتيس أن للفراغ وجوداً حقيقياً كما أن للمادة وجوداً، وهذا ما آمنت به طائفة المعتزلة المسلمين في حين اتبع الأشاعرة قناعة أرسطو بأن الفراغ غير موجود، ودار بين الفريقين جدال طويل استمرت فيه فرق أخرى وأخذ أشكالاً جديدة حتى يومنا هذا.

وكما هي العادة، فإن الأسئلة التي تطرحها الفلسفة عادة ما يحسم إجابتها العلم، وفي كثير من الأحيان تضطرنا الإجابة إلى إعادة تشكيل السؤال وطرح أسئلة جديدة.

لقد كانت إحدى تبعيات مبدأ عدم اليقين أو Uncertainty Principle الذي جاء به العالم الألماني هيزنبرغ أنه ليس هناك فراغ مطلق، وبالتالي فإن أزواجاً من الجسيمات متعاكسة الشحنة تنبعث تلقائياً من العدم المطلق، وهي عادة ما تعود للالتحام لتفنى بعضها مع إمكانية وجود استثناءات، حيث تتحول هذه الجسيمات من حالة وجود افتراضي Virtual Particles إلى حالة وجود حقيقي، ومن ضمن هذه الاستثناءات انبعاث زوج من الجسيمات على حدود أفق ثقب أسود، وانجذاب أحدها إلى داخل هذا الثقب، وتحرر الآخر (وهذا هو الأساس فيما يسمى إشعاعات هوكينغ)، وفي جميع الأحوال فقد تم التثبت من ظاهرة الانبعاث التلقائي هذه في تجربة Casimir effect؛ حيث تم رصد التغير في الضغط الذي تمارسه هذه الجسيمات (بناء على قيمة ذبذباتها)، على لوحين معدنيين متقابلين وُضعا في فراغ تام، ويسهم هذا الانبعاث الجسيمي في ظاهرة أخرى لا تقل غرابة، وهي ما تسمى طاقة مستوى الصفر أو طاقة الفراغ Zero Level Energy، وهي وكما يوحي اسمها كمّ معين من الطاقة المبثوثة في الفراغ أو العدم المطلق، التي تمثل حداً أدنى من الطاقة لا يمكن أن تنتقص (وقد تباين تقدير قيمتها بصورة هائلة وذلك حسب النظرية المستخدمة في حسابها)، وبطبيعة الحال فإن كونها حداً أدنى يجعل من المستحيل حصدها أو استغلالها كما ورد في بعض روايات الخيال العلمي.

تحيلنا هذه الظاهرة لموضوع فيزيائي آخر مرتبط بها هو موضوع التجانس Symmetry، وهو ما يمكن وصفه بصورة مبسطة بأنه شكل من التماثل المطلق واختفاء الفروقات، وهو ما نفكر به بديهياً كصفة لحالة الفراغ المطلق، ويمكن من خلاله تصور شكل من الوجود (أو بالأحرى عدم الوجود) السلبي؛ حيث ليس هناك حركة أو تغيير، وقد غير هذا التصور تماماً العالم الياباني الأميركي Yoichiro Nambu الحائز على جائزة نوبل للفيزياء عام 2008، عندما أثبت أن حالة مستوى الصفر الفراغي ليست بالضرورة متجانسة أو مستقرة، وزن هناك ما يسمى بالكسر التلقائي للتجانس Spontaneous Symmetry Breaking، الأمر الذي يستحث انبعاث الجسيمات في الفراغ، إضافة لما سبق فإن كثيراً من العلماء يربطون بين طاقة الفراغ وما يسمى الطاقة السوداء Black Energy (التي تم اكتشافها مؤخراً لدى ملاحظة أن المجرات تبتعد عن بعضها بشكل متسارع في الفضاء الكوني)، وهي قوة طاردة تعاكس قوة الجاذبية ويزداد تأثيرها بازدياد المسافة.

بصورة ملخصة، فإن ما سبق من طروحات علمية يحيلنا لفهم مختلف لمفهوم العدمية، ويبدو أنه على المستوى الفيزيائي الكوني ليس هناك عدم مطلق، وأن الأصل هو الوجود لا عكسه، وأن الخلق هو عملية مستمرة لا تتوقف، وفي تفسير ابن كثير لآية "إن ربك هو الخلاق العليم"، أن وصف الخلاق هو تقرير للمعاد.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.