المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جهاد إبراهيم Headshot

تصميم الكون

تم النشر: تم التحديث:

في كتابه المثير للجدل "التصميم العظيم" أو "The Grand Design" يحاول الفيزيائي البريطاني الكبير "ستيفن هوكينغ" أن يثبت أن لا حاجة اليوم للّجوء لفكرة الخلق أو وجود خالق لتبرير نشأة الكون، وأنه يمكن باستخدام قوانين الفيزياء المعروفة لدينا تفسير نشأة الكون وتطوره دون إقحام فكرة الخلق.

يقر هوكينغ وغيره من العلماء بأن هناك موضوعين أساسيين متعلقين بنشأة الكون لم يكن من الممكن تفسيرهما بناء على معطيات الفيزياء وقوانين الاحتمالات المتعارف عليها هما:

أولا تخلّق المادة من العدم؛ إذ كيف يمكن أن تكون المادة الموجودة في هذا الكون قد تولدت من الخواء المطلق؟

وثانياً ما يسمى بمعضلة الظروف الابتدائية "Initial Conditions" التي تنص على أنه ولنشأة كون منتظم ومتناغم يمكن أن يتطور بشكل يسمح بنشوء المجرات والنجوم والكواكب والحياة، كان يجب أن تكون الظروف الابتدائية لكثافة ومواقع جسيمات المادة التي تلت الانفجار الكبير الذي شكل الكون وكذلك قيم الثوابت الكونية (كالجاذبية ومعامل التوسع وقيمة الشحنات الكهربائية للجسيمات) على شكل محدد وخاص جداً، لا يمكن أن يكون عشوائياً؛ إذ لا يتجاوز احتمال تشكل هذه الظروف الابتدائية الملائمة عن واحد من تريليونات التريليونات، وبالتالي كان يجب أن تكون هناك إرادة عليا قد هيّأت هذه الظروف الابتدائية لنشوء كون متناغم قابل للتطور والنمو يمكن في مرحلة ما من تطوره أن يسمح بوجود كائن عاقل كالإنسان.

لكن هوكينغ يقول بأن هناك حلاً لهاتين المعضلتين لا يستدعي "وجود خالق مدبر"، فبالنسبة لتخلق المادة من العدم فإنه يستدل بمجموعة من التجارب التي رصدت التخلق الطبيعي لجسيمات أولية متعاكسة الشحنة من الفراغ المطلق، وهي في العادة تلتحم وتلغي بعضها، ولكن يمكن افتراض حدوث هذا الانبعاث في ظرف ما مع استمرار هذه الجزيئات في الوجود، وإذ إن شحنات الجسيمات المنبعثة متضادة، فإن محصلتها هي صفر، وبالتالي فإن تخلقها لا يخالف قوانين الطبيعة!!

أما الثانية فيقر هوكينغ بعدم منطقية افتراض أن يتخلق هذا الكون المنتظم من ظروف ابتدائية استثنائية عشوائية، لكنه يستند إلى نظرية الأكوان المتعددة في تبريره، ومن ذلك المنطلق فإنه على افتراض وجود عدد لا نهائي من الأكوان، فإن من الطبيعي أن تكون الظروف الابتدائية لأحدها أو أكثر ملاءمة لنشوء كون منتظم مثل كوننا، وهذا لا يخالف قوانين الاحتمالات؛ إذ إن عدداً لا محدود من الاحتمالات لا بد أن يشمل احتمال وجود كون مثل كوننا.

كان أول ما فكرت فيه لدى انتهائي من قراءة الكتاب ما يلي:

حتى لو كان هوكينغ محقاً في كل ما يتعلق بتبرير نشوء هذا الكون من الخواء اعتماداً على قوانين الطبيعة، من أين أتت قوانين الطبيعة التي تشكل الكون بناء عليها؟ أين كانت موجودة في ذلك الخواء المطلق؟ ولماذا هي على ما هي عليه؟ تذكرت جدلية أفلاطون وأرسطو، وما جاء به أفلاطون حول سبق عالم المثال لعالم المادة، وما قوانين الفيزياء هذه إلا جزء من عالم المثال الذي تحدث عنه أفلاطون.

ملحوظة: التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.