المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جهاد إبراهيم Headshot

هل يمكن أن يلتقي الإلحاد والإيمان؟!

تم النشر: تم التحديث:

الأبيض والأسود، الليل والنهار، السماء والأرض، وغيرها من أزواج المتضادات تعطي انطباعاً بالتناقض والاختلاف الكلي، إلا أنها بنفس الوقت تحمل في طياتها شكلاً من التدرّج بين النقيضين ندركه ونقبله جميعاً، أما حين تكون الكلمتان هما "مؤمن وملحد" يختفي التدرج وتضمحل المساحة المشتركة، فيندرج الناس تلقائياً تحت فسطاطين؛ أحدهما "مؤمن"، والآخر "ملحد".

ولكن هل يجب أن يكون الأمر كذلك؟ وهل الخلاف بالضرورة جوهري بحيث إنه من المستحيل جسر الهوة بين المتضادين؟ أم أنه متعلق بالعُصبة أكثر منه بالقناعة أو ربما بالتمترس خلف رموز لغوية ومصطلحات تخصصية تعني أشياء مختلفة لدى كل ثقافة ومجموعة؟!

تعرضتُ في مدوّنة سابقة لموضوع تطور الإيمان بالله، كما قدّمه عالم الديانات رزا أصلان في كتابه "الله"، وكان من أهم طروحاته أن الإيمان بإله خالق مرتبط بشكل ما بهيكلية دماغ الإنسان ودوائره العصبية، ولكن في المقابل أنكر كثيرون عبر العصور وجود تلك الذات المقدسة ضمن سياقات مختلفة، ففي الثقافة الإغريقية استخدم إبيكورس ما دعاه تناقضاً أساسياً بين القدرة الإلهية المطلقة ووجود الشر لإنكار وجود الله، وفي تاريخ الحضارة الإسلامية ظهر الدهريون الذين آمنوا بأن الكون قد وُجِد منذ الأزل، فليس هناك ما يدعو لوجود خالق.

لكن الزخم الرئيسي للإلحاد ارتبط بتطور العلوم الطبيعية بمنهجيها العقلي "الديكارتي" والتجريبي "البيكوني"؛ حيث اعتُبِرَ عدم توفر دليل مادي مباشر على وجود الله مبرراً لاستبعاد تأثيره على العالم الطبيعي، وتضاعف هذا الزخم مع انتشار نظرية التطور لداروين؛ حيث الإنسان كغيره من الكائنات هو نتيجة عشوائية لعملية التطور الطبيعي لا الخلق.

وقد تزامنت هذه الطروحات مع حقبة تغيير سياسي مهم في أوروبا؛ حيث استبدَلت أنظمةُ الحكم السائدة الشرعيةَ الدينية بالشرعية الدستورية، الأمر الذي ساهم في الابتعاد عن الأطر والأفكار الدينية، ثقافياً ساهم عدد من المفكرين في نشر فلسفة الإلحاد، وعلى رأسهم الفيلسوف برتراند راسل، كما في مقالته المشهورة "لماذا لست مسيحياً؟" التي حاول فيها أن ينفي فكرة وجود الله بالأدلة المنطقية من وجهة نظره، وعالم الأحياء ريتشارد دوكينز أحد أبرز الدارونيين الجدد، وصاحب كتاب "صانع الساعات الأعمى"، الذي حاول إثبات أن الانتخاب الطبيعي (لا التصميم) كافٍ لتفسير كافة أشكال التنوع والتعقيد في النظم الحيوية، ومؤخراً عالم الفيزياء ستيف هوكينغ، الذي حاول في كتابه "التصميم العظيم" إثبات أن قوانين الفيزياء لا الله هي المسؤولة عن نشوء الكون.

لكن تطور علوم الطبيعة منذ بداية القرن العشرين حمل معه بذوراً معرفية قديمة متجددة، ففيزياء الكم جعلت للوعي دوراً أساسياً في تشكيل الواقع المادي، وظاهرة التشابك الكمي أشارت إلى شبكة غير مرئية من العلاقات تربط آنياً بين الجسيمات عبر الكون، وكأنها أجزاء من كينونة واحدة.

وفي بعض تجارب الفيزياء ظهر وكأن للجسيمات الأولية وعياً خاصاً بها بحيث إنها تنجح دائماً في إخفاء هويتها عند محاولة رصدها حتى لو تطلّب الأمر عودتها إلى الماضي لتغيير مسارها، كما أظهرت تجربة "الماحي الكمي".

وبالتالي كان من المنطقي أن يحاول البعض تجاوز النموذج المادي البحت في توصيف الواقع والبحث عن أجوبة مقنعة من مصادر أخرى، ومن ضمنها الفلسفات المثالية، كطروحات سبينوزا التي تتحدث عن وعي كوني شامل يمثل الواقع المادي أحد تجلياته فقط.

وقد ذهب سبينوزا إلى القول بأن الكون ما هو إلا امتداد لهذا الوعي الكوني الذي هو الله، ويُروى - في هذا السياق - أن ممرضة أينشتاين التي كانت تعتبره ملحداً سألته أثناء وجودهما في حديقة المستشفى المنسقة بعناية "هل يُعقل أنّه قد تم تنسيق هذه الحديقة دون وجود جنايني؟"، فأجابها "ربما كان الجنايني هو الحديقة".

ومن الجدير ذكره أنه عندما سُئِل أينشتاين عن قناعاته الدينية أجاب أنه يؤمن بإله سبينوزا.

ونعود هنا إلى جدلية أن قوانين الفيزياء وليس الإله الخالق هي المسؤولة عن تصميم الكون، ونطرح السؤال التالي: لِمَ هذه القوانين على ما هي عليه؟ وماذا لو تغيرت ولو بقدر بسيط جداً؟ والإجابة هي: لن يكون هناك كون متماسك متجانس يمكن أن ينشأ فيه أي شكل من الحياة، فكأن هذه القوانين قد سبق وضُبِطت بشكل فائق الدقة لإنجاز كون مستقر مهيأ لما آل إليه، وحيثما وجِدَت قانون فلا بد من وجود واضع لها (وخصوصاً لدى التيقن بأنها لا يمكن أن تكون عشوائية)، وحين نستحضر في هذا السياق أفكار الفيلسوف الألماني هيغل (المثالية) حول كون المنطق هو ذات العقل، يصبح القانون وواضعه ذاتاً واحدة، وهنا يُطرح السؤال: هل يمكن - وبصورة مشابهة لقول الفقهاء بأن صفات الله هي عين الذات الإلهية - أن تُعتبر هذه القوانين عينَ الذات؟

إذا قبلنا بالطرح السابق فلربما أوجدنا قاعدة مشتركة بين الثيولوجيا والعلم ومدخلاً مناسباً للإيمان لبعض المتشككين الذين يعتبرون القناعة العقلية العلمية بوصلتهم الوحيدة، ولكن ألا تتناقض هذه الرؤية مع قداسة وتنزيه الذات الإلهية في الإسلام بالتحديد؟

أنا أرى أن فكرة تجسيد الله التي يتبناها السلفيون والذين يعتبرون أنفسهم أهل السنة والجماعة، وقولهم بأنه تعالى محدود بحيز مكاني، هي بالتأكيد أكثر بعداً عن التنزيه من الطرح الشمولي السابق (الأكثر تجريداً والأقل تحديداً)، إضافة لما سبق أرى أنه ليس هناك بد ّمن تأثر المنظومة العقائدية بالتطور المعرفي، فالحديث حول ذات الله وصفاته ابتدأ مع انفتاح المسلمين في نهاية العصر الأموي على ثقافات العالم، وبالتحديد الفلسفة الإغريقية، فكانت نشأة فكر المعتزلة.

وكان تقديمهم لدور العقل ردة فعل طبيعية على هذا الانفتاح، وإذ ذاك نشأ الفكر السلفي "النقلي" كردة فعل على طروحات المعتزلة العقلية، وأصر أئمته على النقل والتفسير الحرفي للنصوص متجاوزين مجازية اللغة.

وأرى هنا أن الانفتاح المعرفي الذي نعيشه اليوم يتطلب إعادة نقاش هذا الموضوع بمصطلحات ورؤية جديدة، وإلا فإن النتيجة الحتمية هي ابتعاد الأجيال الناشئة في حاضنة كونية عقلانية عن دائرة الإيمان، وهو أمر بدأنا نلحظ بوادره اليوم.

وعوداً إلى موضوعنا الأساسي حول إمكانية التجسير بين الإيمان والإنكار، وكما في أي حوار فإن من الضروري أن يُتّفق على ماهية ما يتم نقاشه، وإلا فإن النقاش يصبح عبثياً، ولدى الحديث عن الذات الإلهية، وحيث إن الغموض يكتنف ماهيتها إلى جانب عدم وجود اتفاق بين العقائد المختلفة عليها، فإنه من الأسهل الحديث عن أفعالها ونتائجها وسبل عملها، وبطبيعة الحال يتصدر موضوع الخلق الأجندة، فالله هو خالق البشر والكائنات والموجودات، وهذا ما تتفق عليه أغلب الديانات، في حين أن المنكرين يقرّون على الأقل بنتائجه الموضوعية (وجود الكون).

وحيث إن آلية الخلق لم يتم تفصيلها دينياً، فلربما يقبل المؤمن أن الله قد وضع النواميس والقوانين وحدد الظروف الابتدائية التي ستؤدي بالضرورة لنتائج الخلق، وبنفس الوقت قد يسلّم المنكرون - وفي ظل عدم وجود تفسير مادي مباشر لسبب وطريقة ضبط القوانين الطبيعية بشكل يؤدي حتمياً لنشوء الكون- بأنه لا بد من وجود وعي أو مخطط كوني مسؤول عن ذلك، ربما لا يريدون تسميته بـ"الله"، لكن النقاش هنا ليس حول التسميات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.