المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جهاد إبراهيم Headshot

أكوان متوازية في أبعاد متعامدة

تم النشر: تم التحديث:

مؤخراً وبعد مضاعفة طاقة اندفاع الجسيمات التي يطلقها المسارع النووي (LHC) على الحدود السويسرية-الإيطالية، يتأمل علماء المركز الأوروبي للأبحاث النووية أن يشكلوا ثقوباً سوداء متناهية الصغر تمثل مدخلاً يمكن النفاذ منه إلى أكوان متوازية أو أبعاد إضافية، وما زال العالم ينتظر النتيجة.

خلال العقود الماضية، تم تداول أكثر من نسخة من نظرية الأكوان المتعددة، أذكر هنا بعضها باختصار:

1- على افتراض أن حجم الكون لا محدود، فإن هناك عدداً محدداً من التشكيلات التي يمكن أن يتم ترتيب ذرات الكون بناء عليها، فلا بد إذاً من نفاد احتمالات ترتيب الذرات كافة وأن يتكرر ترتيب سابق فيما يمكن تسميته كوناً موازياً.

2- هناك من يرى أن كل احتمال مطرح في فيزياء الكم يمكن أن يوجد في كون موازٍ.

3- إن هناك على الأقل كوناً واحداً موازياً بشكل شبه لصيق لهذا الكون في بُعد خامس، حيث تتسرب الجاذبية بين هذين الكونين بشكل مستمر.

4- أن كوناً توأماً قد تخلَّق مع هذا الكون يسير فيه الزمان بشكل عكسي من المستقبل باتجاه الماضي.

5- إن آلية الانتفاخ Inflation التي يُنسب إليها تشكيل هذا الكون في بدايته، هي آلية مستمرة في أجزاء الكون المختلفة تستقل من خلالها أجزاء تنتفخ تلقائياً لتشكل كوناً جديداً في بُعد إضافي.


من الجلي أن هناك علاقة متينة بين مفهوم الأكوان المتوازية والأبعاد الإضافية؛ ففي معظم الطروحات تتوازى هذه الأكوان عبر الأبعاد المتعامدة كما تتوازى وتتراكم الصفحات ثنائية الأبعاد في كتاب ثلاثي الأبعاد.

يملي علينا إدراكنا البديهي للعالم حولنا أننا نعيش في واقع مكاني ثلاثي الأبعاد، حيث إنه يكفي لتحديد أي موقع معروفة إحداثياته السينية والصادية والعينية، أو بعبارة أخرى الطول والعرض والارتفاع، وكان من الطبيعي أن يقولب وعينا الكون على هذا الأساس ضمن ما تم تسميته الفضاء الإقليدي ثلاثي الأبعاد.

لم يتم تحدي هذا الافتراض بشكل جدي عبر معظم تاريخ الفكر الإنساني، ربما باستثناء فرضية كهف أفلاطون التي تصور مجموعة من الأشخاص عاشوا طيلة عمرهم مقيدين في كهف وخلفهم نار متقدة بحيث لا يمكنهم أن يروا شيئاً باستثناء ظلالهم المنعكسة على جدار الكهف ثنائي الأبعاد.

فبالنسبة لهم وحيث إنهم لا يرون إلا ظلالهم، فإنهم يعتقدون أنهم هم الظلال على الجدار، أي إنهم كائنات ثنائية الأبعاد ملتصقة بالجدار، ولن يصدقوا أبداً أنهم في الحقيقة أجسام ثلاثية الأبعاد إلا إذا تم إطلاقهم من قيودهم. ويبدو واضحاً من هذا الطرح، أن أفلاطون قد فكر هنا في تعددية الأبعاد ومحدودية الإدراك البشري.

في منتصف القرن التاسع عشر، اقترح الرياضي الألماني برنهارد ريمان آلية محددة لتوسعة عدد الأبعاد الفضائية المتعامدة فيما عرف بسطوح ريمان، بحيث أصبحت الهندسة الفراغية غير محدودة بأبعاد ثلاثة متعامدة؛ بل بعدد غير محدود من الأبعاد، وهو ما بنى عليه أينشتاين نظريتي النسبية الخاصة والعامة حين اقترح أن الزمن هو بُعد رابع مكمِّل للأبعاد المكانية الثلاثة.

طبعاً، لم تنتهِ القصة بالأبعاد الأربعة؛ فقد استطاع الفيزيائي ثيودور كلاوزا لاحقاً توحيد معادلات ماكسويل وأينشتاين، من خلال افتراض وجود بُعد خامس، وبعد عقود تم تطوير 5 نظريات فيزيائية استبدلت نُقَطيّة الجسيمات الأولية التقليدية بأوتار متذبذبة عبر 10 أبعاد.

وفي عام 1996، فاجأ الفيزيائي إدوارد ويتين المجتمع العلمي باقتراحه أنه لو افترضنا وجود بُعد حادي عشر فإنه يمكن توحيد نظريات الأوتار الخمسة فيما كان ميلاداً لما سمي "نظرية إم" والتي يُعقَد عليها كثير من الأمل في توحيد قوى الطبيعة كافة (ولسبب ما، أنا أشعر بجاذبية خاصة نحو هذا الطرح، الذي يرى أنه إلى جانب الأبعاد المكانية والزمانية الأربعة التي نعرفها هناك 7 أبعاد إضافية تذكرني بمفهوم السموات السبع).

ماذا تعني هذه الأبعاد بشكل عملي؟ كيف يمكننا تصورها أو إدراكها أو حتى النفاذ إليها؟ يخبرنا المختصون بالإدراك بأن العقل الإنساني مقتصر بإدراكه على تقريب المفاهيم الجديدة إلى نماذج مسبقة مطبوعة في العقل، إذاً كيف يمكن تصور بُعد رابع أو خامس من قِبل العقل البشري المحدود بالنماذج ثلاثية الأبعاد؟!

ربما كان الأمر مستحيلاً بشكل مباشر، ولكن هناك طريقة لتصور التقاطع بين شكل رباعي الأبعاد مع عالمنا ثلاثي الأبعاد بالطريقة نفسها التي يمكننا أن نتصور فيها التقاطع بين جسم ثلاثي الأبعاد وسطح ثنائي الأبعاد.

وقد كان هذا بالضبط موضوع رواية "الأرض المنبسطة" التي كتبها عام 1884 مدير مدرسة بريطاني يدعى إدوين أبوت، وتدور أحداث الرواية في عالم افتراضي ثنائي الأبعاد (مثل صفحة الورقة)، جميع شخوصه أشكال هندسية منبسطة وبطلها الرئيس هو مربع. وفي سياق الرواية، يزور هذا العالَم المنبسط كائن ثلاثي الأبعاد كروي الشكل.

وبطبيعة الحال، فإن المربع الذي ليس لديه فكرة عن وجود بُعد ثالث (ارتفاع) يفاجأ بقدرات هذا الزائر الذي يظهر له على شكل دائرة تكبر وتصغر مساحتها تلقائياً، وتختفي ثم تظهر في مكان آخر (ومن المنطلق نفسه، لو أن كرة رباعية الأبعاد زارت عالمنا المكاني ثلاثي الأبعاد، فسوف نشاهد تقاطعها معه ككرة تكبر وتصغر تلقائياً وتختفي لتعود وتظهر حين تغير موقعها).

وكذلك، يُفاجأ المربع من قدرة زائره على رؤيته وهو مختبئ داخل جدران (أو خطوط) بيته (وهو ما يمكن لكائن رباعي الأبعاد عمله في عالمنا ثلاثي الأبعاد، حيث لا تحدّ مجال رؤيته جدراننا أو سقوفنا؛ لكونه ينظر إليها من بُعد آخر).

إضافة إلى ما سبق، لنتخيل أن الزمان هو بُعد ثالث لهذا العالم المنبسط، بحيث تضاف صفحة جديدة في كل لحظة تمر فتتراكم الصفحات كما في كتاب. إذاً ومن وجهة نظر الكرة ثلاثية الأبعاد، فإنها ترى صفحات الكتاب كافة متراكمة أمامها، أو بعبارة أخرى فإنها ترى حاضر وماضي المربع ومستقبله أيضاً، ومن هذا المنطلق نفسه رأى أينشتاين أن مرور الزمن هو وهْم لا أكثر، وأن الحاضر والماضي والمستقبل موجودون ككتلة كونية واحدة.

أما النفاذ إلى هذه الأبعاد الإضافية، فإنه من وجهة نظر علمية نظرية بحتة قد يكون ممكناً عند تركيز كمّ هائل من الطاقة في مساحة محدودة جداً كما هو الحال عند الضغط بحافة القلم على سطح ورقة وعمل انبعاج أو ثقب على هذا السطح، حيث يمثل هذا الثقب أو الانبعاج مخرجاً من السطح ثنائي الأبعاد إلى فضاء ثلاثي الأبعاد. ومن هذا المنطلق، يرى بعض العلماء أن الثقوب السوداء الموجودة في الكون والتي تحوي كمّاً هائلاً من الطاقة ضمن فضاء محدود تمثل مدخلاً لأبعاد إضافية.

لقد شكَّل احتمال وجود أبعاد إضافية مخفية مادةً خصبةً لكثير من قصص الخيال العلمي وكذلك لمجموعة من تيارات الفكر الروحي المعاصر أو "فلسفة العصر الجديد" التي تتخذ من بعض الأفكار العلمية مدخلاً لعالم الروحانيات، حيث كثر الحديث في هذه الدوائر عن التواصل الروحي العابر للأبعاد وكذلك عن كون البشرية متصلة بشكل ما في بُعد لا يمكن إدراكه، إضافة إلى إمكانية الولوج لهذه الأبعاد من خلال التأمل أو النشاط الروحي، وهذا ليس بعيداً عن طروحات الصوفية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.