المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة الزهراء جبور Headshot

من رضيعٍ إلى عجوز ..أيّ رسالةٍ بلَّغت؟

تم النشر: تم التحديث:

في رحمها تتزاوج البويضة والحيوان المنوي الذي تسابق لاختراقها..
يمتزجان فيما بينهما ليُكَوِّنان النطفة التي تغدو علقة ومن ثَم مضغة، وبمشيئته تعالى تُكسى العظام لحماً. فيصير جنيناً بارز الملامح واﻷعضاء.
يكبر شيئاً فشيئاً في مشيمةٍ استقبلته وضايفته ووفرت له من المأكل والمشرب الفيض الكثير، لتعدَّه للخروج إلى عالم غير الذي هو فيه، وتصده بعد تسعة أشهر خارج بر الأمان وتلقي به وصراخه يعمُّ اﻷرجاء في وسطٍ يسوده الضوضاء.
من جنين إلى رضيع، يغادر أحشاء والدته ويضم أحضانها المتشوقة إلى لقياه..
يأنسها ويحب لطافتها وعنايتها. يتصرف بتلقائية وعفوية ولا مبالاة في شهوره وسنواته اﻷولى. يستيقظ متى يحلو له، يصرخ ويبكي متى شاء وأينما كان والكل مُسخر له ولتلبية حاجياته.. لا لوم عليه ولا حساب ولا عقاب.
شيئا فشيئا يبدأ فهم اﻷشياء ودلالاتها.. مِن الخطر والأمن.. مِن الممنوع والمرغوب.. من الضار والنافع ومن الخبيث والسليم، ليدرك بعدها أن زمن اللامبالاة قد مضى وانقضى، وأن وقت الجد والصرامة قد أتى.
من رضيع إلى طفل ينتقل من مرحلة عدم الاكتراث إلى مرحلة النضج والاهتمام بكل صغيرة تمر على عينيه والانتباه إلى كل مكان تطأه قدماه.
تكبر اهتماماته وتنبني معتقداته وتتطور قدراته وتتباين تطلعاته عن غيره حسب المحيط الذي نشأ فيه وترعرع.. فمنا من شاءت له اﻷقدار أن يعيش في فقر مدقع، حيث قوت يومه خبز وشاي وماله بقشيشٌ يكسبه من عمله المُياوَم، أحلامه بسيطة ولا تتعدى المأكل والمأوى، أما الملبس فينتظر جود وكرم المحسنين من الطبقة التي تعلوه. كما منا ميسور الحال وصاحب الدخل القار والعمل الشريف، تطلعاته عالية شيئاً ما وأحلامه تتعدى امتلاك الضروريات بقليل، وهناك منا أيضاً من يعيش حياة الترف حيث كل الماديات في حوزته حتى تصير الدنيا في نظره بخسة رخيصة، كل شيء فيها يباع ويشترى وينسى بالكمال ذاك الجانب الروحي المعنوي، الذي طالما تهافت خلفه لنيله ظنًّا منه أنه أحد المعروضات..
كل منا يسلك سمتاً كتبه له القدر، نقطع أشواطاً في هذه الحياة ونحن نجهل بالتمام مآلنا.. فقط نحلم ونخط طريقا نمضي فيه غير مطلعين على ما قد يحل بنا غداً..
وعلى اختلاف أوضاعنا، يبقى منا البئيس في نعيمه ومنا القنوع الحامد الشاكر في عمق بؤسه.. منا المتعلم الجاهل.. ومنا اﻷمي الحكيم.. منا من يشغِّل ملكات عقله ويحسن استثماراها، ومنا من يُقوِّضها نحو المجهول.

وعلى تنوع قوانا وأفكارنا ومعتقداتنا ومرجعياتنا وكذا انتماءاتنا، فنحن ولدنا لنُبَلِّغ رسالة ما، قد لا ندري ماهيتها ولكن على تفاوت قدراتنا تتباين رسائلنا.
كيفما كانت تلك الرسائل وأينما كنا نبلِّغها ونعيشها تظل دورة حياتنا واحدة..
نولد، نكبر، نتعلم أساليب العيش، نبحث عن مكسب رزق، نرغب في الزواج وإعمار اﻷرض، يأتي أبناؤنا، تكبر مسؤولياتنا، يزيد بحثنا عن مصادر العيش، نشيخ شيئاً فشيئاً، نصل مرحلة الكهولة والعجز إلى أن نلحق أجلنا ونغادر هذا الصخب في هدوء..
ومنا من لم يسأل نفسه قطّ، أي رسالة جئت لأبلِّغها؟!
منا من يعيش دورة حيوانية.. مأكل ومشرب وبحث عن قوت يوم غد وإشباع شهوة وانتهى.. ومنا من يستغل وجوده وكينونته ويجعل من دورة حياته استثناء.. يبحث في خبايا طاقاته، وينمي قدراته العقلية والروحية، ويسعى لتطوير ذاته، ويترك شيئاً يؤرخ وجوده وينتفع به غيره ويبقى له شاهداً على صرخته اﻷولى وهو يلاقي حياته على هذا الكون..
فقط فلنتفكر!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.