المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة الزهراء جبور Headshot

لماذا عليَّ أن أحب ما تحبون؟

تم النشر: تم التحديث:

لا أتذكر متى ولا كيف ولا في أية ظروف.. لكن كل ما أتذكره هو السؤال الذي طرحتُ على نفسي فجأة وشغل بنات أفكاري.. سؤالٌ دق ثقافة الأصالة لديَّ ورنَّ أوتار كل عضلة تسكن جسدي..
هل أشعر حقًّا أنني ذاك الإنسان الذي يريده الله؟

سؤالٌ كان الأصل ليتفرع منه العديد من الاستفهامات.. هل أستخدم عقلي وأنا أمضي في سبيلي؟ وهل أستثمر في إنسانيتي وشخصيتي؟ هل أخاف التفكير أم أخاف تفعيل ملكات عقلي؟ وهل أمَثّل أفكاري وأمتثل لها.. أم أمضي في سمت التقليد والخضوع أم أدافع عن وجودي وأرقى بذاتي؟
أسئلة تلتها أخرى، وبينما كنت أحاول الإجابة عن واحد يتهافت ثان وثالث، حتى وجدتني أغوص في بحر الفكر وأنا أبحث عن ضالتي..

وبين ركام الأفكار وزحامها كانت توقظني مسألة التقليد والامتثال لأفكار الغير التي صار يعمل بها وعليها المعظم بيننا، متغاضين عنها، وهي تجرد الإنسان عقله وحريته بل وإنسانيته.
فكوني طالباً أمضي في توجه أدبي لأن والدي أراد ذلك، رغم ميولي العلمي الشديد، وكمقبل على الزواج أختار فتاة أحبتها والدتي فقط، وإن لم تكُ تملك أية صفة مما أحب، أتبنى أفكارا موروثة مغلوطة وأعيش على ما يُحشى في باطن ذهني دون تقَصٍّ وتَحَرٍّ، أحب ما يحبون وأنفر مما ينفرون فقط ليرضوا عني ويعتبرونني امتثاليا غير متمرد حتى أعيش على هاجس تصديق توقعات الآخرين مني وأمضي هكذا ولا أسأل هل العلي القدير يريدني خاضعا مطيعا لأفكار غيري أم متمردا مدافعا عن أفكاري وتطلعاتي واختياراتي؟

فأنا الذي أدرس وأسهر وأُمتحَن وليس الذي حولي، وقلبي الذي يحبُّ ويعشقُ وينساب لآخر وليس قلب غيري، ولا بجهدهم أكدُّ وأعمل وأشقى حتى أكسب قوت يومي. فالله تبارك وتعالى لن يجازيني على ما فعله الآخر وقرره وبدر منه، بل سيحاسبني إذا ما قمتُ بإعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة المجهول، وإذا ما اخترت طريق الامتثال والخضوع حتى أنال رضا الناس لا رضاه سبحانه وألقي بحرية عقلي وقلبي ووجداني حتى أنجو من النقاش والجدال والدفاع عن قناعاتي الأصيلة الخاصة.
وما أكثرها الأمثلة التي نعيشها ونصادفها عن ثقافة الخضوع التي تسلب تحرر عقولنا وانفتاحها على أفكار غيرنا والبحث فيها بدل الامتثال لها.

وغير بعيد عن الانصياع نجد مشكل التقليد والتقليد الأعمى الشائع في شتَّى بقاع العالم خصوصا لدى أوساط الشباب.. فأقلدُ شخصا في طريقة لباسه وكلامه وأتبنى أفكاره لأنه حظي بشهرة في يوم ما وأنسى ما أنا عليه حتى يصير تتبعه وتقفِّي أثره هوسي والظهور في شخصه كل همي. أستمع لنوع معين من الموسيقى لسماعه لها وهي لا تستهويني، وأقرأ كتابا لأنه قرأه رغما عني وإن لم يرقني، وألبس على ذوقه وإن كان لباساً يخالف مقتضياتي. فقط أستهلك ولا أنتج.

هنا أضع نقطة نظام وأتدخل بطرح سؤالين: هل استخدمت عقلي وأنا أقلِّد؟ وهل يريدني الله مقلِّداً؟
مسألة التقليد هذه تطول حتى عالم التجارة والاستثمار، فنجد العلامات التجارية المقلِّدة للعلامات الأصلية تأخذ النصيب الأوفر في السوق التجارية، في وقت يتقصى فيه الكثير أصلية المنتوج لجودته. والمقلَّد يظل دائما بخساً ضعيف الجودة. فما بالك عندما يتعلق الأمر بإنسانية الإنسان ويتقمص شخصية غيره ويخنق هامش الحرية الذي يتحرك فيه قلبه وعقله.

في الواقع، ليس عيبا أن نأخذ فكرةً أثارتنا لدى غيرنا ونُبلوِرها حسب مقتضياتنا الفكرية، لكن العيب أن نردد ما يصُبُّ في أذهاننا دون البحث والسؤال وأن نستنسخ حيوات الآخرين متجاهلين لثقافة الأصالة وأثرها الروحي والنفسي والعاطفي.
وفي هذا قال أرسطو: "علامة العقل المتعلم تداوله لأفكار رغم عدم قناعته بها"، فالعقل المتحرر بطبيعته يمكِّننا من الاطلاع على ما للناس وما لغيرهم، وقد نقتنع وقد لا نقتنع ونحترم الرأي والرأي الآخر. كما أنَّ قناعاتنا لا تمثل لنا صدفةَ السلحفاة نتقوقع داخلها ولا نتداول ما يخالفنا. فقد نجد السني الموحد يقرأ ويبحث في الديانات الأخرى وأسرار الملاحدة، ليس بغرض الردة عن الإسلام بل لفهم حالهم ومناقشتهم عن علم إن حصل. والله تبارك وتعالى كلفنا بعقولنا فرادى لنكون أصلاء في أفكارنا وفي عواطفنا ونتمكن من مقتضياتنا حتى لا تهالنا كثرة مخالفينا ويُوحِشُنا قلة موافقينا.

فالقادر المتعال ميَّزنا بالعقل لنفرق بين الصواب والخطأ، وبين الضار والنافع، وبين الذي نحب والذي نعافي. ميزنا بالعقل لنرقى به ونغذيه بالعلم والمعرفة والبحث الدقيق في كل شائك حتى يتبين وكل فهم عسير حتى يتيسر. فلكل منا عقلٌ لا يمكن أن يُعيرَه أو يستعيره.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.