المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جواد الصايغ Headshot

لبنان ..الدولة الوحيد في العالم التي نالت استقلالها عدة مرات

تم النشر: تم التحديث:

يعتقدُ كثيرون أنَّ بصمة لبنان في كتاب غينيس للأرقام القياسية مقتصرة فقط على صحني التبولة والحمص، وبعض المأكولات الشرقية إضافة إلى نادي الأنصار لكرة القدم الذي تربع على عرش الكرة اللبنانية 11 مرة متتالية.

ارتباط لبنان بغينيس لا يتوقف عند هذه الأمور، فبلد الـ(10452) كيلومتراً مربعاً، يمتلك إنجازات زاخرة ولكن التواضع يمنعه من تدوين اسمه كل مرة في الكتاب، لأنه وبطبيعة الحال هناك من يحبذ إفساح المجال للدول الأخرى كي تسجل اسمها في غينيس حفظا على ماء وجهها أمام شعبها والعالم في آن واحد.

أصبحت الجمهورية اللبنانية، دولة مستقلة عام 1943 ومنذ ذلك الوقت يحتفل اللبنانيون بيوم 22 تشرين الثاني بعيد الاستقلال، هذه المعلومة يحفظها الجميع عن ظهر قلب، ومن يجهلها أو لا يعرف شيئا عن بلاد الأرز في طبيعة الحال، بإمكانه البحث في ويكيبيديا أو الشبكة العنكبوتية، لكن الأمر الذي لا يعرفه كثيرون، هو أن هذا البلد لو أراد تسجيل اسمه في كتاب غينيس كأكثر بلد نال استقلاله في غضون اثنين وسبعين عاماً، لتمكن من ذلك وبكل سهولة، ولكان اسم "غينيس" تحول إلى كتاب لبنان للأرقام القياسية.

بعد نيل الاستقلال عام 1943، ورحيل الانتداب الفرنسي، تأزمت الأوضاع في لبنان عدة مرات، ووقعت الخلافات بين القوى السياسية الممسكة بزمام الحكم، مع الإشارة إلى أن الصراع بين السلطة والمعارضة، لم يحدث بسبب التنازع على خدمة المواطنين أو من أجل تأمين حياة أفضل لهم، بل كان مرتبطا على الدوام بالصراعات والتجاذبات الإقليمة والدولية.

في عام 1958، شهدت بلاد الأرز، أول خضة كبيرة بعد رحيل الفرنسيين، وذلك بعد انطلاق المعارك بين مؤيدي "حلف بغداد" كرئيس الجمهورية آنذاك، كميل شمعون،، والقوى المؤيدة للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر (كان كمال جنبلاط على رأس هذا الفريق)، ووضعت الأزمة أوزارها بعد وصول فؤاد شهاب إلى رئاسة الجمهورية خلفا لكميل شمعون (المعارك بدأت في نهاية عهده)، الأمر الذي اعتبره أنصار عبد الناصر، انتصاراً لهم وذهب البعض، حد اعتباره استقلالا جديدا للبنان.

بعد حوالي عشرة أعوام، وتحديدا في العام 1969 إبان فترة حكم الرئيس شارل حلو، وقعت مواجهات بين السلطة الأمنية اللبنانية، وفصائل فلسطينية مدعومة من بعض القوى السياسية اللبنانية، وانتهت المواجهات بتوقيع اتفاق القاهرة بين ياسر عرفات وقائد الجيش اللبناني إميل البستاني، وشرع الاتفاق وجود وعمل المقاومة الفلسطينية في لبنان، فأصبحت الفصائل صاحبة الكلمة الأقوى والقرار الفصل، مما ولد أزمات كبيرة مع القوى السياسية خصوصا المسيحية، لكن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، أرغم ياسر عرفات وأركان قيادته على الخروج من لبنان، وقام رئيس الجمهورية أمين الجميل بعد سنوات قليلة بإلغاء اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية، وكما درجت العادة، خرجت بعض القوى السياسية لتقول إن لبنان يكتب استقلاله الجديد.

انتهت الحرب الأهلية في بلاد الأرز، بتوقيع اتفاق الطائف، وأوكلت إلى سوريا، مهمة الإشراف على السياسيين اللبنانيين ورعايتهم وتطبيق الاتفاق، وفي عام 2000، انسحب الجيش الإسرائيلي من الأراضي التي كان يحتلها في جنوب لبنان، فكان هذا الحدث بمثابة استقلال جديد، وبعد خمس سنوات، اغتيل رئيس الوزراء السابق، رفيق الحريري في وسط بيروت، وخرجت القوات السورية من لبنان، فأضاف السياسيون الذين طالبوا بهذه الخطوة، استقلالا جديدا إلى سجل البلاد.

الشيء الفعلي الذي لم يتحقق منذ عام 1943 هو الاستقلال، فحتى أيامنا هذه، لا زالت قضية مزارع شبعا في جنوب لبنان معلقة، كما أن بلدة عرسال في محافظة البقاع ترزح ووفق السلطة اللبنانية، تحت احتلال جبهة النصرة، وتنظيم داعش، والنفايات تحتل الشوارع وتتصدر الشاشات، والمكونات اللبنانية تغني على ليلاها، والحقوق غائبة والواجبات موجودة، لكن المفارقة الأهم تكمن في عدد الجيوش والفصائل والمجموعات التي قدمت إلى لبنان ورحلت، بمقابل ثبات السلطة الحاكمة وعدم اهتزاز أركانها، طوال قرنين، فالآباء كانوا والأبناء ما زالوا، والأحفاد قادمون، وبكل تأكيد الآتي أعظم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.