المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جواد عبادة Headshot

صناعـة الضحيـــة

تم النشر: تم التحديث:

إننــــا قوم انفعاليون، سياساتنا انفعالية، مسؤولونا انفعاليون، وكل حركاتنا انفعالية. لهذا من السهل دغدغة عواطفنا، فنقوم بردات فعل في الغالب غير منطقية، ودون أدنى تفكير.

أي شيء نتفاعل معه بسرعة منقطعة النظير، ونقرر بسرعة هل نحن مع أو ضد. والنتيجة هي أننا نصطف في هذا الخندق أو ذاك بشكل كلي، ولا نترك أي مساحة صغيرة محايدة في أدمغتنا، ويتمثل لنا أن الحق والشرعية كلها معنا. وهذا تضخم مرضي للأنا، يجعل الذات هي مركز الوجود في أسلوبها وأفكارها ومواقفها، ويجعل الآخر الحقير دائماً في الهامش. ولا يتوقف الأمر عند هذا الموقف المرضي من الآخر بتقسيم الوجود نظرياً إلى مركز وهامش، إذ نسعى حتى إلى مصادرة حق الآخر في الوجود في ذلك الهامش الذي قد يكون ارتضى العيش فيه، كما كان يصنع الشعراء الصعاليك أيام الجاهلية العربية الأولى.

في أواخر السبعينات من القرن العشرين صاغ عالم النفس الأمريكي ستيفن كاربمان مثلثاً يسمى في الأوساط الأكاديمية "مثلث كاربمان الدرامي"، ومن خلاله حاول كاربمان تفسير العلاقات المعقدة والمناورات النفسية المرضية التي تلجأ إليها الذات في تفاعلها مع محيطها. فبالنسبة إليه، لا مفر للشخص من لعب هذه الأدوار الثلاثة: مستبد، ضحية، منقذ. حتى في العمليات التواصلية البسيطة التي تحدث مثلاً بين رجل وزوجته عند عودته من العمل، فإن كل منهما سيتقمص دوراً ويغيره حسب الظروف، فينتقل من دور المستبد الذي لا يُقدر ظروف شريكه إلى منقذ، بالتالي يتبنى موقف المتفهم والمساند له.

ما يعنينا في مثلث كاربمان هو إمكانية تنزيله على الوعي الجمعي العربي الذي ظل يتخندق من زمن بعيد في دور الضحية، فالإنسان العربي هو ضحية للإمبريالية الغربية، وضحية للولايات المتحدة الأمريكية، وضحية للرأسمالية المتوحشة، وضحية للصهيونية، وضحية للتآمر الأجنبي... والخطير هو أن يتحول هذا الإدراك المضطرب للعالم الى التخندق الدائم في دور الضحية في تفاعلنا مع القضايا والأحداث التي نصنعها بأيدينا. وهكذا، أصبح من السهل على الذات العربية أن يتمثل لها أنها ضحية لذات عربية أخرى: الشيعي ضحية للسني، والعلماني ضحية للإسلامي، والمتحرر ضحية للمحافظ. الإشكال ليس نظرياً كما قد نتصور، بحيث عندما نلعب دور الضحية مع بعضنا بعضاً فهذا يعني أن علاقاتنا ستكون متوترة إن لم نقل عدائية. ولنا أن نتساءل: كيف سيكون التواصل والحوار بين فرقاء تجمعهم معادلة المستبد والضحية؟

النتيجة هي ما نراه في واقعنا سواء بين الأفراد أو الهيئات السياسية والنقابية وغيرها.

لا أحد يفكر في الأسباب والدوافع ثم النتائج والمآلات، لا أحد يحاول أن يضع نفسه في مكان خصمه ولو لوقتٍ وجيز. ولهذا غالباً ما يصل الفرقاء إلى الطريق المسدود حتى وإن جلسوا إلى الحوار.

خلاصة القول أننا مجرد انفعاليين حمقى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.