المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جواد الأطلس Headshot

في الحكاية: لاجئون من دون ثورة!

تم النشر: تم التحديث:

كان الفيلسوف اليوناني هيرقليطس يعدّ السياسي راعياً بالمعنى الحرفي الذي يُفهم من رعي الإنسان للحيوان؛ لأنه كان شديد البغض للديمقراطية لكونها ذريعة تُكرِس جور الساسة، وكان يقول إن الماشية تُساق بالعصا إلى مرعاها الذي تشبع فيه وتسمَن، وكذلك الدهماء من المحكومين لا يُساقون إلى خيرهم إلا بعصا في يد من يسوقهم؛ فهم لا يفكِرون؛ بل يفكرون في اليقظة كأنهم يحلمون وما زالوا يحلُمون بالثورة.

ومَن حكَمَهم هنا، بعد سباق أكتوبر/تشرين الأول، هو راعيهم المتصرف فيهم بالمعنى الذي قدمناه، رغم أن اليوم لا تُساق الرؤوس بوطني سوى إلى مكانين لا ثالث لهما: إما إلى المشنقة، وإما إلى ضيق العيش فقراً حتى الموت!

كثيرةٌ هي مواقف المؤاخذة التي تبناها أصحاب الفكر والفلسفة في حديثهم عن السياسة ورجالاتها، وكان من أبرزها رأي فيثاغوراس حينما قال بتوصيف الكهنة للسياسيين؛ إذ إنهم كثيراً ما تهمهم الحقائق مع إبقائها محجوبةً عن المحكُومين حتى لا تنكشف، كأن في الأمر مكراً أو خديعة في الوقت الذي وجب إشراكهم فيها.

وفي ملامسة سيرة المكر، لن نجد أفضل من الفكر الميكيافيلي لفهم الطبخة، فالمطبخ في بلادنا له كلمة أخرى وثعالب جدد غير مهتمة لحال المحكوم بالبؤس ولو في الربع الخالي. ولعل أبرزهم أمناء الأحزاب، الذين لم يلتفتوا إلى ما يقع خلفهم لا شمالاً ولا جنوباً، هذا الأخير الذي حركت فيضاناته ألغاماً ومتفجرات تعود لحرب الصحراء من سبعينات القرن الماضي ضد جبهة البوليساريو.

اليوم، أتت السيول على رؤوس المواشي وتشرّد الكثير من أبناء الصحراء الجريحة، واهتزت الألغام بمن اهتزت، ولا من سائل في ظل تعتيم إعلامي ممنهج، ولا حديث يغلب على أخبار "الوزيعة" التي الْتأم حولها "شناقة" الانتخابات وهم اليوم ينهشون ما جادت به حرب أكتوبر التشريعية من غنائم البرلمان، ولا صفحة بيضاء متبقية في جرائد القنص المأجور، والتي لم يترك مُكتَرو "أحناكها" سطراً يصيح فيه المنكوب والمقهور مما يجري له مع الموت هذه الأيام في الأعالي والوديان سوى من يشتري صفحات فيها أكثر ليضغط على معارضيه الأقوياء.

تحركات وتحالفات مفترضة، حتى صاح الشيطان متبرئاً من كثرة المداهنة التي لوّنوا بها وجه المشهد السياسي بنكهة النفاق من النوع الحر، حيث لم يفلح رئيس حكومتنا الموقر في إقناع الأنياب الأخرى بالقسمة التي يقترحها لتشكيل الحكومة، حتى بطول المشاورات التي تم عقدها منذ عشية نتائج الانتخابات، لدرجة أن أصبح يهدد الأحزاب بالعودة لإخبار الملك بفشله في حياكة خيوط الحكومة القادمة ثم العودة إلى منزله، في الوقت الذي يظهر فيه هو الأكثر ابتزازاً لهذه الحركات لتقدم له الأطراف الأخرى تنازلات لحزبه الذي يريد توسيع هيمنته على الأغلبية الحكومية أضعافاً.

فتتضح النية لنا أن حزب المصباح يريد مكان قوة في أثناء إصدار القرارات والسيطرة على الساحة. هي قرارات، وإن شابهت ما فات في الخمس سنوات الماضية فلن تخدم مصالح الأحزاب الأخرى التي لم تسلم كل مؤسسات الدولة من جذورها: "سوسة" تأكل ولا تشبع، لكن هذا لا يعني أن بعضاً من "البيجيديين" خرجوا وولجوا بأيدٍ نظيفة، فمنهم من يدافع عن رئيس حزب الحمامة الجديد ويكذب أنباء الصراع الدفين بين عبد الإله بنكيران وعزيز أخنوش قائد الحزب التجمعي الجديد.

فقد خرج عبد الله أوباري، النائب البرلماني السابق وقيادي جهوي من حزب العدالة والتنمية بسوس، بتصريحات تطرح علامات استفهام حول نوع الاستفادة وشكلها من محبوبه الفجائي، علماً بأن هذا النوع من السياسيين كمخدع الهاتف العمومي الذي لا يعمل دون "سريط الدراهم"! الرجل يستنكر يميناً ويحذر شِمالاً حول عدم إشراك ابن داره، من حزب التجمع الوطني للأحرار، في التشكيلة الحكومية المقبلة التي تعرف لحد الساعة أكبر "تعكيلة"، امتعض منها ملك البلاد عبر مضمون خطاب ساخن، والذي تضمن توصيف "الغنيمة" الذي انبرت تلوكه الألسن مؤخراً كأنه جديد، وهو في الواقع "فشوش قديم" و"دصارة" منذ أن خرج لنا المخزن بوزراء الانتداب ومعاشات البرلمانيين لمراضاة النفوس التي تعمل على إنتاج أكبر "طنز عكري" كل خمس سنوات.

ولعل المتأمل سيَفهم الكثير من خلال تصريح التهنئة لعبد الإله بنكيران، في اللقاء التواصلي مع النواب الجدد بُعيد نتائج الانتخابات، حينما قال بالحرف: «هناك تغيّر مادي ستعرفونه، إلى الأفضل.. بصحتكم وراحتكم»، ونحن نخبر رئيس حكومتنا بأن هناك صنبوراً آخر غير ذاك من "اللعاقة الصحيحة" تلك التي يوزع زميله ومرافقه الجديد، وزير العدل والحريات، مصطفى الرميد على الجمعيات، وذلك يحدث في الدقيقة التسعين من وقت الحكومة التي تغادرنا.

فالرجل وزع 200 مليون على جمعيات قيل إنها حقوقية، في الوقت الذي لا تخلو كل جنبات الشوارع، بالواقعي والافتراضي، من أمهات عزباوات تصرخ، ورجال من قهر المخزن يبكون، وأطفال وبنات تُغتصب. وهذا إن قورن بين الأعمال والأموال التي تذهب للمجال الحقوقي، فسنكتشف أن رجالات الحزب تُخرج ريعاً على ظهر المواطن ودافع الضرائب دون متابعة في إطار تشاركي حول المشاريع الحقوقية وكيف تدبر الأموال فيها.

لكن المتفطن الناظر في التفاعل الشعبي، سيعلم علم اليقين أن تكميم الأفواه المزعجة لا ينحصر فقط على صحافة "الورود والليالي المِلاح" بمليارات الدراهم؛ بل حتى تلك الهيئات التي تُوخِز راحة الوجوه البيجيدية ومؤسساتهم، والتي تشاركهم في التهام أموال ضخمة كحشرة "التونية"، فيخرج الزعيم من جُحره مُتهِماً التطبيب المجاني والتعليم المجاني الموجه للغلابة المغاربة.

أولئك الذين لا يتجاوز لديهم متوسط الاستهلاك اليومي للأسرة الواحدة دولارين، في مجتمع يعيش أسفل الطبقات ويدّعي القمة، ومؤسسات تنهج تسيير أقدم العصور وتصر على الظهور أمام الأجانب أنها متطورة، حيث يشتغل مواطنوها في معامل النصف دولار للساعة، معامل تشبه إلى حد كبير مشهد الأسرى في الأَسر، أو لاجئين من دون ثورة حينما تهُب على مساكنهم أخف رياح خريف كل سنة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.