المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جارالله صالح Headshot

أسرار نهضة تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية

تم النشر: تم التحديث:

بعد انهيار الخلافة العثمانية وقيام الجمهورية التركية عام 1924م، أخذت الجمهورية التركية فلسفتها من أوروبا، بما ظنت أنه يتوافق مع حاجتها الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بما ظنت أنه السبيل لنهضتها الوحيدة، وتجاهلت الكم الهائل من الاختلافات الثقافية والاجتماعية والحضارية التي تؤمن بها كل أمة لوحدها.

بدأت التجربة التركية في بداية القرن الماضي في التعامل مع الدين من وجهة النظر العلمانية الغربية، متجاهلة الاختلافات في الأديان في مستوى تشريعها الدنيوي، وكيفية ارتباطه بالأخروي، فيما يتم التعارف عليه بعلاقة الدين بالدنيا، أو علاقة السلطة الروحية بالسلطة الزمنية، والعلاقة بين السلطتين من تشابك وصراع فيمن يقرر مصير الآخر، أو فيمن يقود الآخر ويتحكم به، هل الدين من يقود الدنيا؟ أم الدنيا هي التي تتحكم بالدين وتضبط إيقاعه في حركة الحياة؟ فأقحمت العلمانية نفسها في صدمات وصراعات مع المجتمع المحافظ من المتدينين الذين كان لهم آراء صحيحة في التمسك بالدين والتمسك بالتراث التقليدي، سواء في الحياة السياسية أو الاجتماعية على أنه من القسم الثابت من الدين، ووقتها كانت التجربة التركية الوليدة في غنى عنها، ولم تنجح في ذلك؛ لأن العلمانية المتصلبة وقتها حاولت أن تسير بالنهضة سير المقلد الأعمى الذي يريد تقليد كل شيء.

وفي مطلع القرن الحادي والعشرين جاء حزب العدالة والتنمية، وحقق للشعب التركي ما كان يبحث عنه، جعل من الشورى ديمقراطية، ومن العلمانية حرية ومساواة، ومن المواطنة انتماء وعطاء، ومن الإجماع دستوراً، ومن التدين عزة لا مذلة، ومن الاقتصاد قوة، ومن السياسة عظمة لا تبعية، ما حققه حزب العدالة والتنمية لم يكن انقلاباً مفاجئاً في الفكر السياسي الإسلامية، كما فُعل سابقاً بعد قيام الجمهورية التركية، وإنما جاء نتيجة تطورات متواصلة على مدى قرن كامل من محاولة التغيير في الفكر السياسي الإسلامي؛ حيث درس حزب العدالة والتنمية كل التطورات السياسية في تجارب الأحزاب الإسلامية التي سبقته إلى السلطة.

أن سر نجاح الحزب هو وضعه للمناهج والوعود للشعب التركي حتى تكون أهدافاً مشتركة للجميع؛ لأنها منطلقة من العمل مع كل أطياف وأحزاب المجتمع التركي، ورفع شعار واحد للبرامج والخطط؛ حيث كان شعاره البرامج لا توضع لمجرد التغني بها في فترة الانتخابات فقط، وإنما لتصبح مشاريع على أرض الواقع، وتصبح إنجازات يفتخر بها المواطن التركي، فجميع الخطط التي وضعها في حملته الانتخابية قد حققت، وخصوصاً البرامج التي وضعها الحزب في الانتخابات الأولى عام 2001م؛ جراء تنفيذ كل البرامج التي وضعها في حملته، وهو ما أدى إلى وجود ثقة للمواطن التركي في الحزب، ورأينا هذا بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة كيف خرج الشعب التركي بكل أطيافه لمواجهة الدبابات، وهو ما لم نرَه في الانقلابات السابقة، مشروع تركيا الجديدة الذي تحدث عنه أردوغان سيكون عبر ثلاث محطات كبرى هي: تركيا سنة 2023، وتركيا سنة 2053، وتركيا سنة 2075، هذه المحطات تعكس بشكل جدي الرؤية الاستراتيجية والحضارية التي يعمل من أجلها صناع القرار الأتراك الذين يدركون جيداً تحقيق هذه المحطات، وتبدأ بالمحطة الأولى عام 2023م، وهي الذكرى المئوية لقيام الجمهورية التركية، وفي هذه الخطة مثلاً أن يكون دخل الفرد التركي 25000 دولار، وتصل حجم الصادرات التركية إلى 500 مليار، وأن تكون تركيا من بين الدول العشر الأولى الاقتصادية في العالم، وقد وصل دخل الفرد التركي عام 2016 إلى 19 ألف دولار، ووصل حجم الصادرات التركية إلى 12 ملياراً و140 مليون دولار.

وتعتبر تركيا حالياً في المرتبة الثامنة عشرة ضمن أقوى 20 دولة في الاقتصاد العالمي، حزب العدالة والتنمية على الطريق الصحيح لتحقيق الهدف العام الذي وضعه على الرغم من المحاولات الحثيثة لإسقاط هذه التجربة من كثير من دول العالم، وهو ما اتضح بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة؛ لأن حزب العدالة والتنمية أصبح لا يركز فقط على حدود العنصر التركي، وإنما ينطلق بقيمة إنسانية وحضارية؛ لتصل إلى كل الناس، وهذا ما قاله رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان في معرض كلامه بخصوص إصراره على مشاركة تركيا في تحرير الموصل من داعش؛ حيث قال إن بلاده لا تتحمل مسؤولية النتائج الناجمة عن أي عملية لا تشارك فيها، ومن المحال تنحية أنقرة جانباً، في إشارة إلى العملية العسكرية في الموصل العراقية.

وقال أردوغان: يطالبون تركيا بعدم الدخول إلى الموصل، كيف لا ندخل ولنا حدود (مع العراق) على طول 350 كم ونحن مهددون من تلك الحدود؟ منوها بأن لتركيا إخوة من العرب والتركمان والأكراد في الموصل، وأنه من المحال أن تبقى بلاده مكتوفة الأيدي حيالهم.

تركيا وحسب الدراسات الغربية نفسها ستصبح في المستقبل قوة كبرى في العالم، وستكون فاعلاً مؤثراً على طبيعة التوازنات في العالم، وفي النظام العالمي الجديد الذي يسعى الغرب إلى أن يشكله وفق معاييره ومصالحه، وهو الأمر الذي سيجعله يصطدم فيه مع تركيا الجديدة لاختلاف المصالح والأهداف، وهو ما بدأ حالياً من سوريا والعراق، وهو ما تكلم عنه نائب رئيس الوزراء التركي بأن تركيا تؤمن أن حلب والموصل هما من سيحددان مصير المنطقة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.