المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال زويد  Headshot

هل يُكمل ترامب بقية الهلال؟!

تم النشر: تم التحديث:

تمثيلية سمجة ومستمرة منذ عقدين أو ثلاثة عقود من الزمان، بطلاها اثنان يتبادلان الشتائم والتهديدات، أحدهما يسمِّي الآخر بـ(الإرهابي)، ويرد عليه صاحبه ويسميه (الشيطان الأكبر)! تزداد الاتهامات وتصريحات العداء بينهما كلّما جاء إلى سدّة الحكم رئيس جديد ليفتتح عهده بالتسخين ضد هذا (الإرهابي)، وتشغيل (ماكينته) الإعلامية والدبلوماسية ضدّه، وتتوعده بالضرب والهلاك، ويردّ عليه الآخر بالويل والثبور، فيما الحال في الخفاء بين البطلين طيلة هذه العقود أفضل من (السَّمْن على العسل).

ففي ثمانينات القرن الماضي، وبينما كانت حرب الخليج الأولى تدور رحاها في المنطقة، وكانت الجماهير الإيرانية تدعو بالموت لأميركا (الشيطان الأكبر)، وتتهمها بالانحياز للعراق؛ كانت الإدارة الأميركية بقيادة رئيسها رونالد ريغان مشغولة في الأثناء بتزويد إيران بآلاف الصواريخ المضادة للدروع وآلاف من قطع الغيار التي تصل إلى طهران من خلال عاصمة الكيان الصهيوني تل أبيب!! وذلك ما تكشَّف في العام 1985، فيما بات يُعرف فيما بعد بفضيحة (إيران جيت).

وبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول المعروفة، ظهر علينا الرئيس جورج بوش بفكرة (محور الشر) الذي ضمّ فيه إيران والعراق وكوريا الشمالية، وكان مما قاله في خطاب شهير له في مناسبة حالة الاتحاد بتاريخ 29 يناير/كانون الثاني 2002: "لقد حذرنا العراق وإيران وكوريا الشمالية، وسوف نأخذ بجدية شديدة الجهودَ التي تبذلها هذه الدول من أجل تطوير أسلحة الدمار الشامل، وسنبقي جميع الخيارات مفتوحة من أجل ضمان أمن الولايات المتحدة وحلفائها"، وكان ذلك في الوقت الذي كانت -أيضاً- الإدارة الأميركية مشغولة بمحادثات سرية مع الإيرانيين في جنيف لترتيب غزو العراق في أبريل/نيسان عام 2003م. وذلك بحسب كتاب اسمه (المبعوث) ألّفه زلماي خليل، السفير الأميركي السابق لدى العراق والأمم المتحدة، تحدث فيه عن هذه اللقاءات السرية بين مسؤولين أميركيين وعراقيين. وبالطبع لا ننسى التصريح الشهير للسيد محمد علي أبطحي، نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية بتاريخ 15 /1 /2004 "أن بلاده قدّمت الكثير من العوْن للأميركيين في حربَيْهم ضد أفغانستان والعراق، وأنه لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة".

ولم يكن جورج بوش الابن أفضل من أبيه في لعب دور البطولة في هذه التمثيلية السمجة، حيث أيضاً بدأ عهده بذات العبارات المهددة والمتوعدة لإيران، كما في خطابه في بداية فبراير 2005 حيث انتقد بشدة إيران ووصفها بـ"الدولة الأولى التي تتبنى الإرهاب في العالم، وتسعى إلى الحصول على أسلحة نووية وتحرم شعبها من الحرية، حسب تعبيره".

وفي منتصف أغسطس/آب من العام ذاته رفض الرئيس الأميركي جورج بوش استبعاد اللجوء إلى القوة ضد إيران، بعد قرارها استئناف نشاط تحويل اليورانيوم، وردّ عليه الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني في خطبة صلاة الجمعة في طهران آنذاك "يجب أن يعرف الغرب أنه لا يستطيع أن يهدد إيران كما فعل مع العراق وليبيا"، وقد انتهى عهد بوش الابن بأن تم تسليم العراق لإيران، التي أعلنت عن مشروعها في إقامة الهلال الشيعي!

أما الرئيس باراك أوباما؛ فقد دخل مبكراً في هذه التمثيلية -تمثيلية العداء في العلن والتحالف في الخفاء- منذ حملته الانتخابية، حيث ذكر في خطاب له أواخر يوليو/تموز 2008، إبّان ترشحه عن الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية أن "كل الخيارات بما فيها الخيارات العسكرية ستبقى متاحة لمنع إيران من حيازة السلاح النووي".

ثم توالت تصريحاته ضدّها عندما تولى الرئاسة، وفرض عقوبات عليها، وتكثفت تهديداته إلى حدّ تحريك بوارجه ومدمراته صوْب إيران لتنتهي ولايته الأولى بامتداد سيطرة الدولة التي يتهمها برعاية الإرهاب على لبنان، فيما انتهت ولايته الثانية بتوقيع الاتفاق النووي معها وبسط سيطرتها في سوريا ومدّ نفوذها إلى اليمن، وكل ذلك تحت سمع وبصر الرؤساء الذين يجثمون في البيت الأبيض، ممن يديرون أو يلعبون دور البطولة في تمثيلية معاداة إيران واتهامها بالإرهاب ورعايته ويحذرونها و... إلى آخره مما تبينه الوقائع فيما بعد أنه مجرّد ظاهرة إعلامية (فشنق)، استلزمتها دواعي التمثيل، وفضحتها العديد من الوثائق، التي قد يأتي في مقدمتها كتاب "التحالف الغادر: التعاملات السريّة بين إسرائيل وإيران والولايات المتّحدة الأميركية" الذي ألّفه "تريتا بارسي"، رئيس المجلس القومي الأميركي الإيراني، وضمّنه عدداً من الفضائح الموثقة حول هذا التحالف، وأثبت أن حالة العداء بين هذه الأطراف مجرّد ظاهرة صوتية لا تأثير لها في سياساتهم!!

ولا يبدو أن القادم الجديد للبيت الأبيض (دونالد ترامب) يختلف عن أسلافه ممن سبقوه، ذات سيناريو التمثيلية السّمجة يتكرّر الآن، بدأه في حملة ترشحه الانتخابية، تبعه عند توليه الرئاسة بتصريحات وعيد وتهديد، غالباً ما يكون هدفها -كسابقيه- الابتزاز، بينما الطبخ بينهما مستمر.. كل الخوف أن ينتهي عهد ترامب باستكمال مشروع الهلال الإيراني في المنطقة!!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.