المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال زويد  Headshot

متى يكبر الكبير؟!

تم النشر: تم التحديث:

سؤال أثير ومليء بالحزن كثيراً ما يتردّ تجاه عدد من الظواهر -الفردية والجماعية- التي يقبع فيها الكبار دونما مراعاة لقدْرهم ومكانتهم أو لجهل لمتطلبات مراكزهم الاجتماعية ومناصبهم الوظيفية ودورهم في الحياة والمستقبل، أو لغرور يفقدهم بوصلتهم وتوازنهم، فيراهم الناس صغاراً رغم أنهم في منازل الكبار ووظائفهم!

فعلى سبيل المثال، الآباء: الذين هم في مراكز القدوة والمحاضن الرئيسية للتربية وتهذيب السلوك، تستغرب خاصة من أولئك الذين تقدّم بهم السنّ وتقوّست عظام أجسامهم واحدودبت ظهورهم وأبيضت شعور رؤوسهم، وصار لهم أولاد وأحفاد، ودبّت الأمراض في أجسادهم لكنهم لا يزالون يعاقرون الحرام ويمارسون الرذائل ويذبحون الفضائل، غير آبهين بأن مثل هذه الأفعال تنزلهم من برج الأبوّة العالي وتفقدهم أي تأثير على أخلاقيات وسلوكيات أبنائهم طالما بقوا غارقين في أفعال الصغار من آثام وخطايا تجعلهم عنواناً لمقولة: "فاقد الشيء لا يعطيه".

وهذا الأستاذ والمعلّم، الذي بجّل الشعراء مكانته ووضعوه في مراتب الرسل والأنبياء، يسلّمه الناس فلذات أكبادهم، ينشدون منه تربيتهم و"نقش" الأخلاق الفاضلة منذ صغرهم كما النقش في الحجر. فيتنازل -بعض المعلمين- عن صفتهم الكبيرة ويستصغرون مهمتهم ويسقطون تأثيرهم، ثم يحصرون مهمتهم في بضع معلومات وأرقام صمّاء يلقنونها هؤلاء الأطفال الغضين الجاهزين المستعدّين لتلقي التربية من هذا المعلّم المفترض أنه "كبير".

وهذا رجل السياسة الذي لا يراه الناس في النهار إلاّ متحدثاً عن الشرف والأمانة والنزاهة وشاهراً سيفه على الفساد، تصريحاته مليئة بالمثاليات ومفعمة بالنظافة وطهارة الفكر واليد، والدعوة إلى حبّ الوطن والذود عنه ورفع سمعته وشأنه، لكنه ما أن يُسدل الليل ستاره حتى ينضم هذا "الشريف" إلى شلّة المهازيل في المراقص والمواخير والخمّارات -أجلّكم الله- يذبح خلالها شعاراته والأخلاقيات التي يُنادي بها في النهار! ومن دون أن يأبه أن الأسوياء في المجتمع لا يمكنهم أن يتأثروا أو يقتنعوا بأفكار ومواقف رجل أمين وشريف في بارقة النهار لكنّه خمّار زمّار و"عربيد" في جنح الليل أو في الأسفار.

وهذا الوزير المسؤول والقيادي المكلّف بالإشراف العام على وزارته أو منشأته، تخطيطاً وفعلاً ملموساً ومفترضاً في ميادين الإنجاز الحقيقي ومتابعة المسائل الكبرى التي تتناسب مع "كبْر" وهيبة منصبه، يضحّي بجسام مسؤولياته ويترك عاليها، ثم ينحى بسبب فراغ الإبداع والأفكار وخواء التخصص والعلم إلى متابعة صغائر الأمور و"توافهها" ويحقق مصالحه، ويركض وراء الأضواء و"البهرجة"، فيعطيها من اهتمامه أضعاف ما كان يجب أن يُعطي مهامه ومتطلبات مسؤولياته الكبيرة.

وهذا الشاب الذي تُبنى عليه آمال وأمنيات التقدّم والنهضة ويُرى فيه طموحات المستقبل، ويُقال عنهم نبض المجتمع، وكان الأوائل يسلّمونهم قيادة جيوش الفتح ويعطونهم لواء الدفاع عن أراضي ومقدّسات، تستغرب أن تُختزل طاقاته في متابعة نزواته وطلعاته و"معاكساته" و"ماركاته" و"تفحيطاته" وما شابه ذلك من سطحيات ورفاهيات قزّمت من شأنه وحطّت من قدْره والآمال المعقودة عليه.

وهؤلاء المختلفون مع الآخرين، يفوّتون على أنفسهم وعلى مجتمعهم فرص التنوّع وجني ثمار البدائل التي ينتجها الخلاف السّوي ويجهلون أن اختلافهم إنما هو شيء طبيعي كدوران الليل والنهار، فتراهم أعداء لبعضهم الآخر، لا يهدأ لأحدهم بال إلاّ بتكسير العظام أو قطع الأرزاق أو "الدوْس" بالأقدام.

كثيرة هي الحالات والظواهر التي نوجه لها نداءنا: متى يكبر الكبير؟! سؤال أطرحه ويطرحه غيري حينما يكتشفون التناقض بين الأقوال والأفعال أو يُصدمون باختلاف المضمون عن الشكل، ومفارقة الظاهر عن الباطن، واستبدال الكذب بالصدق، أو يُفجعون بأعمال مشينة لأشخاص كانوا يظنونهم من الكبار، فإذا هم أقرب إلى الحضيض.

سانحة:
من روائع الأقوال في التفريق بين الصغار والكبار قول المتنبي:
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ ** وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ

وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها ** وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ