المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال عرفة Headshot

أبو حمد، ومحمود العربي

تم النشر: تم التحديث:

كان إفطاراً ريفياً شهياً للغاية، بدأنا في تناوله في الهواء الطلق مع صحبة من الإخوة والأحبة، وكان الحديث رشيقاً ممتعاً، عمَّتنا فيه روح من الألفة والود، وابتعدنا كثيراً عن أمور العمل ومشكلاته، وفجأة حدث أن تهلَّلت الطاولة، وانتفض الجالسون وقوفاً، نظرتُ لجهة انتباه صاحبي، فرأيت شيخاً قد تجاوز الثمانين من عمره، يحمل في يده صندوقاً صغيراً، وباليد الأخرى يتوكأ على عصاه المعدنية الخفيفة. توجه الشيخ إلينا وسط ترحيب كبير من أصحابي. وضع الشيخ ذلك الصندوق الذي وجدناه يحتوي على فاكهة يبدو أنها قطفت حالاً من أشجار المشمش والبخارى.

سلم الشيخ علينا بودٍّ شديد، وشدَّ على يديَّ، وابتسم ببشاشة رائعة رغم عدم معرفته السابقة بي، جلس الشيخ وجلسنا بعده، وكان من حظي أن اختارَ ذلك الكرسي عن يميني مباشرة، وتغيَّرت عندها الجلسة تماماً؛ حيث أصرَّ أصحابي أن يقصَّ علينا الشيخ قصته التي جرت معه في (الشمال)، خاصة بداياتها.

التقط الشيخ أنفاسه، وما كاد يبدأ حتى أطلَّ علينا شابٌّ أسمر البشرة، توجه مباشرة إلى الشيخ الذي مدَّ يدَه ليسلم على الشاب بترحاب شديد. انحنى الشاب في إثرها ليقبل رأس الشيخ، مغمضاً عينيه في حالة من الحب والتقدير البالغين.

"اسلَم يا فلان"؛ تقال هذه العبارة عندما يطلب منك جليسك إكمال ما بدأت به من حديث، "اسلم يا بوحمد"، هكذا صاح كل من بالطاولة للشيخ الجميل الذي أطلق تنهيدة تدل على تجربته العميقة، ونظر إلى فراغ أمامه كأنما يرى بعينيه الآن تلك الأحداث البعيدة جداً.

حكى لنا أبو حمد كيف أنه غادر (ديرته)، ودفء منزل أبويه، باحثاً عن الرزق وهو بعدُ لم يبلغ الحلم، وكيف قطع مسافاتٍ طويلة بالصحراء حتى يجد مكان يأوي إليه، وعملاً يرتزق منه لدى تاجر أو مالك حلال (غنم) يرعاه أو غير ذلك.

وحكى لنا أبو حمد عن أول عمل له، وعن أول تجارة حرة يمارسها، وأخبرنا برحلة أبيه للبحث عنه، وعندما وجده أبوه كيف أراد شيخنا أن يكرم ضيافته فذهب لشراء شاة يذبحها لغدائه، فلم يجد أمامه خياراً إلا شراء سبعين من الغنم وإلا فلا، فاتَّخذ قراره واشتراها كلها بالدين، ليتمكَّن من ضيافة أبيه بما يليق بمقام الوالد، ثم أخبرنا كيف عانى وتعب كثيراً بعدما أكرم وفادة أبيه بإحداها لكي يتمكن من بيع ما تبقى فيسد دينه لذاك التاجر.

حدثنا أبو حمد عن إخفاقاته المتعددة، ونجاحاته المتعددة أيضاً، وعن تجارته المتنوعة، وكيف حقَّق ثروة كبيرة في ذات المرات، وكيف انتهت هذه الثروة كلها يوم أصرَّ أبوه على زواجه بعروس اختارها له.

وأخبرنا عن ربِّ عمله الذي صار شريكه، وكيف انتهت الشركة بينهما ليلحقه ذلك الشريك بعد حين لبلدة أخرى، فقط ليكون جواره في التجارة من قبيل "من جاور السعيد".

وفي وسط ذلك الحديث الممتع انطلق أذان الظهر، فاستأذن الشيخ على الفور بأدب جم ليكون من أول الحاضرين في المسجد.

بعد الصلاة أكمل الشيخ ذكرياته، التي يبدو أنه يحبها ويعتز بها كثيراً، فكان يظهر عليه الاستمتاع بينما يذكر العديد من التفاصيل، حيث أماكن محددة وأسماء بعينها.

انقضى الوقت سريعاً، وانتهت من أسفٍ تلك الجلسة الممتعة؛ حيث كان يتوجب علينا الاستعداد لاجتماع مهم تم التنسيق له مسبقاً، ودعيت له شخصيات مهمة ومؤثرة في العمل الخيري، ولكن لم تنتهِ معها تأملاتي ولا أفكاري في كلمات وعبارات ومواقف عدة قالها الشيخ وحفرت بداخلي.

هذه كانت جلسة حقيقية حضرتها واستمتعت بها صبيحة الأحد 21 مايو 2017، وذلك الشاب الأسمر الذي سلَّم عليه الشيخ بترحاب وتواضع شديدين هو أحد "خدم المزرعة"، الذي عاد من إجازته السنوية في بنغلاديش، هكذا تتعامل الأسرة كلها مع فريق الخدم والمستخدمين.

وهذا المكان الرائع -ما شاء الله- الذي كنا فيه هو مزرعة عامرة ممتدة فوق إحدى هضاب مدينة الطائف، يمتلكها الشيخ حمد ابن شيخنا بطل القصة، الذي حمل الراية من بعد أبيه، حيث أفاض الله على تلك الأسرة من الخير العميم المبارك، حتى إنني علمت أنهم -جزاهم الله خيراً- أوقفوا لله عز وجل مبلغاً يقدر بمليار ريال لأعمال البر، هذا غير ما يقدمونه من خير مستمر سراً وعلانية، والنتيجة الطبيعية للوقف ولأعمال البر هي مزيد من بركة وفيض الكريم سبحانه كما نشاهد ونتابع.

وبينما أكتب هذه الكلمات، أرى بقلبي وبعقلي ذلك الشبه الكبير بين مسيرة الشيخ أبو حمد، ورحلة العطاء الزاخرة للحاج محمود العربي، مؤسس وصاحب واحدة من أكبر الشركات في مصر والشرق الأوسط، وكيف جاهد وكافح كلاهما في مسيرة طويلة، حملت الكثير من المعاناة والصبر والعزيمة، لقد سمعت من كليهما كلمة "قرار" عدة مرات، وكيف أنهما مرَّا بالعديد من المواقف التي يتحتم فيها الخيار بين الاستسلام والركون، أو المخاطرة بما تحمله الكلمة من معنى، فكان خيارهما دائماً التوكل والمخاطرة.

لقد اختارا دوما كلَّ ما فيه قيمة ونفع لهما ولمجتمعهما من تجارة أو عمل أو شراكة، ولقد مارسا وواجها الحياة الحقيقية، ولم يختر أي منهما أو يمتهن وهماً ولا زيفاً ولا خيالاً يبيعه لأحد أو يبتاعه من أحد.

أقولها للساعين المقبلين على حياتهم العملية: هذه ليست قصصاً لأنبياء أرسلهم الله للناس، ويُمدهم بمدده، وهي ليست حكايات لأبطال رويت أساطيرها في القرون الماضية، هذه النماذج -وغيرها في عالمنا المعاصر- هي لأشخاص حقيقيين جالسنا بعضهم واستمعنا لهم، فألهمونا بتجاربهم ورحلة كفاحهم.

مارِس -عزيزي- الحياةَ الحقيقية، واسْعَ فيها بجِدٍّ وإخلاص، وابحث دوماً عن قيمة نافعة تقدمها لنفسك ولأهلك ومجتمعك، فلن يتحقق لك ما تحلم من ثراء أو ريادة أو تأثير، سوى بسعي في عمل حقيقي، في تجارة أو صناعة أو زراعة أو خدمة أو غيرها مما ينفع ويبني ولا يهدم، ولن يتحقق أبداً حلمك بركون للأرض، أو استسلام لخيال دون عملٍ حقيقي أو مصاحبةٍ واستسلام للوهم وبائعيه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.