المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال عرفة Headshot

بين راقصات السامبا وخطط التنمية العربية.. الحاجة للتخطيط الإستراتيجي للأمم

تم النشر: تم التحديث:

بينما كان جل ما تعرفه الغالبية العظمى من شعوبنا العربية عن البرازيل هو إنجازات فريقها القومي لكرة القدم، وبينما كان مثار إعجاب هذه الغالبية بما هو برازيلي ينحصر في جمال راقصات السامبا في المدرجات والذي يظل مثار حوارات وأحاديث الكثير منها لأسابيع وربما لأشهر بعد انقضاء كل بطولة تشارك فيه البرازيل، وبينما يتابع العديد من تلك الأغلبية بشغف شديد مهرجانات الرقص العاري في شوارع ريو دي جانيرو.. كانت البرازيل تفعل شيئاً آخر.

وبينما تنشغل الآن قطاعات كبيرة من جماهيرنا العربية بالسخرية من تركيا وزعمائها، وبمناصرة الدب الروسي عليها في خلاف لا يعلمون شيئاً عن أبعاده ولا ملابساته، كانت تركيا وما تزال تفعل شيئاً آخر.

وبينما نحن منغمسون في خلافاتنا، وسبابنا بعضنا للآخر، وفي متابعة عمياء لإعلام موجِّه نحو الهاوية، وفي إضاعة أوقاتنا بلا طائل على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي تقديس الفرد وعبادته والتبرير لكل أفعاله والتغطية مستميتين على كل سوءاته، فإن دولاً مثل الهند والصين وكوريا الجنوبية وماليزيا وجنوب إفريقيا والإمارات والسعودية وقطر وغيرها.. تفعل شيئاً آخر.

تغيرت خريطة العالم الاقتصادية والسياسية والتنموية في السنوات الأخيرة بشكل غير تقليدي، فلم تعد الصدارة تمثل حقاً حصرياً لدول المقدمة التقليدية أميركا وغرب أوروبا، بل استطاعت العديد من الدول (النامية) الدخول إلى عالم الكبار، واللحاق بركب التطور واحتلال مراكز متقدمة سياسياً ومجتمعياً واقتصادياً وتكنولوجياً، وهذا يظهر جلياً من خلال تقارير التنافسية الدولية، وتقارير التنمية البشرية الدولية، وأيضاً في تشكيل الدول العشرين الكبرى اقتصادياً، وفي تواجد شركات عملاقة تابعة لتلك الدول في أماكن الصدارة في ترتيب الشركات العالمية على قوائم فورتشن وغيرها.

هذا التقدم الهائل، وتحقيق تلك الشعوب لمراكز تنافسية متقدمة لم ولن يتحقق من خلال أفعال ولا توجهات على غرار ما نمارسه نحن وحكوماتنا من هزل سياسي واقتصادي ومجتمعي.
بل كان ذلك (الشيء الآخر) الذي تفعله تلك الدول هو وضع الخطط بعيدة المدى للتنمية والتقدم، ووضع سيناريوهات مختلفة تتعامل بها تلك الخطط بمرونة مع المتغيرات الداخلية والخارجية، مع تحديد آليات ومسارات ومؤشرات واضحة لتحقيق تلك الخطط، ومن ثم العمل بجد وتصميم على كافة المستويات لتحقيق ما جاء بها من غايات وأهداف.

ولا شك أن العديد من الدول العربية تملك المقومات التي تمكنُها من اللحاق بالركب العالمي عوضاً عن الرضا والسعادة بالعيش في مستنقع التخلف والجهل والمرض. ولن نناقش في هذه التدوينة الأسباب السياسية التي لا تزال تؤدي إلى هذا الواقع المتخلف، إلا أننا نشير منها إلى عامل واحد فقط وهو (الإرادة السياسية) والتي تحققت لدول عدة من خلال قادة عظام مثل مهاتير محمد في ماليزيا ولي كوان يو في سنغافورة ورجب طيب أردوغان في تركيا وأبو بكر زين العابدين عبد الكلام في الهند وغيرهم من القادة والحكومات التي امتلكت رؤىً واضحة لما يجب أن تكون عليه أوطانهم في المستقبل، وإرادة حديدية لا تتزعزع لتحقيق تلك الرؤى.

ونسوق هنا اقتباسات من الكتاب الملهم "الهند 2020" للعالم الفذ والرئيس الهندي صاحب رؤية نهضة الهند الحديثة أبو بكر زين العابدين عبد الكلام (2002 ــ 2007) والذي قال:
"إن تنمية الشعوب تبدأ بإعطائها الأولوية وتطوير البنى التحتية والبشرية والثقافية لهذه الشعوب حتى تمضي في طريقها للحاق بالأمم المتقدمة"..
" تقدم ونمو الهند بحلول عام 2020، أو حتى قبل ذلك، ليس حلماً، ليس من الضروري أن يكون مجرد رؤية في أذهان كثير من الهنود، إنها مهمة يمكننا جميعاً أن نصل بها إلى النجاح"..
"إن العالم يتقدم بسرعة فائقة وإن المفاهيم تتغير كذلك بسرعة بفعل العولمة التي بدأت تطوي العالم. فالأمن القومي تغير مفهومه ولم يعد يعني فقط قضايا الدفاع وتطوير السلاح وإنما يرتبط بقضايا التجارة والاقتصاد والاستثمار واستخدام المعرفة العلمية".

هذه الرؤية الفردية للقائد لا يمكن أن تتحقق بمجرد الأماني أوالشعارات الرنانة الخاوية من قيمة حقيقية، كما أنها لا يمكن أن تتحقق عن طريق القائد الفذ الملهم وحده بينما مَن حوله يكتفون بأدوار التملق والنفاق، وإنما تتحقق من خلال جهد كبير وعمل جماعي منظم تتشارك فيه كل مفردات الدولة الحكومية والشعبية والمدنية، فيحسم القائد اختياراته، ثم يتيح الحرية لمنظمات المجتمع المدني لتساعد في عملية تهيئة جموع الشعب لتتحول من حالة الانقسام والضياع والهزل إلى حالة عامة من الجِد والانضباط والرغبة في التقدم والتطور، ثم العمل المجتهد، والصبر لتحقيق أهدافها.

ولنأخذ بلداً عربياً كبيراً مثل مصر كمثال تتباهى فيه وسائل الإعلام -ربما عن جهل أو غيبة عقل- بأنها تحتل الصدارة العالمية في عدد العلماء الذين يعملون خارجها، والذين يقدر عددهم وفقاً لعدة مصادر بما يزيد على ستة وثمانين ألف عالِم، منهم ما يصل إلى ألفي عالم في تخصصات نادرة مثل التطبيقات النووية، والفيزياء والكيمياء الحيوية، وعلوم الحاسب الدقيقة وغيرها.. هؤلاء وعشرات الآلاف غيرهم داخل وخارج الدول العربية يمكن أن يمثلوا طاقة دفع هائلة لعملية تنمية للأقطار العربية واحداً تلو الآخر. في إطار مشروع تنموي وطني وإقليمي شامل.

نحن هنا نتحدث بمعزل عن الصراع السياسي الحاصل في منطقة الشرق الأوسط، والذي يبدو أنه أبدي ودائم، ولكن يمكن أن تنجح القيادات السياسية إن أرادت في إدارة هذه الصراعات جنباً إلى جنب مع التخطيط للتنمية كما فعلت العديد من الدول الواقعة في مناطق ساخنة باستمرار، والأمثلة على ذلك كثيرة.

نعم يمكن للدولة أن تبني تلك الخطط منفردة كما تفعل وزارات التخطيط الحكومية في بعض بلداننا، ولكنها دوماً تكون خطط مبتورة الأثر حيث الهدف الحقيقي منها هو إبراز شكلي لدور تلك الوزارات، وتقديم بعض البراهين على أنها تقوم بواجباتها.

ولكن عملية التخطيط الإستراتيجي للدول لها مداخل أخرى، حيث تتطلب الحشد الكبير للموارد المعلوماتية والموارد البشرية المؤهَّلة من هؤلاء العلماء والاختصاصيون في إطار عملية تنظيمية تقوم فيها الدولة بدور الميسر المتفاعل دون هيمنة أو وصاية أو فرض شخصيات بعينها بغرض المجاملة أو غيرها، بل يجب أن يتم اختيار فرق التخطيط القومي بالاستناد إلى معايير علمية وشخصية واضحة ومعلنة، على أن يتم الاختيار بآليات تضعها وتنفذها قاعدة من علماء الداخل والخارج المشهود لهم بالعدالة والكفاءة.

إن عملية التخطيط للتنمية أو التخطيط الإستراتيجي للدول يمكن أن تتحقق في دولنا العربية (النامية) بتكلفة أقل كثيراً من تكلفة بعض المشروعات (القومية) العشوائية التي أُنفقت عليها المليارات، ولم تحقق العائد المرجو منها حتى الآن، ويبدو أنها لن تحققه على المدى المنظور، بل إنها من الممكن أن تتم بأقل تكلفة يمكن أن تتحملها الدولة إذا ما آمن علماؤنا وإداريونا في الداخل والخارج بصدق التوجه الحكومي وتصميمه وإرادته الحقيقية لا المصطنعة على تحقيق التنمية الشاملة المستدامة من خلال التخطيط التنموي، بل إنني على يقين بأن الآلاف منهم سوف يتطوعون وقد ينفقون من أموالهم الخاصة لأجل المشاركة في بناء خطة إستراتيجية تنموية قابلة للتطبيق في أوطانهم التي أكلتها العمالة والجهل والفقر والمرض.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.