المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال عرفة Headshot

أمراض الإدارة العربية .. غيض من فيض

تم النشر: تم التحديث:

من المؤكد أن عالم الإدارة الشهير إدوارد ديمنج لم يتجول في أرجاء المنظمات والشركات العربية قبل أن يحدد الأمراض السبعة القاتلة التي تعاني منها الإدارة بصفة عامة والإدارة الأمريكية بصفة خاصة والتي بسببها انتقل إلى اليابان في منتصف القرن الماضي لتطبيق محاور ومبادئ الجودة التي أسسها وكانت أحد دعائم النهضة اليابانية، حيث قرر أن بيئة الأعمال الأمريكية بعيوبها تلك لم تكن مناسبة لتطبيق تلك المبادئ. وأظنه لو زارنا عربياً لتغيرت وجهة نظره تماماً فيما يتعلق بمأزق الإدارة وتوصيف وعدد الأمراض التي تعاني منها.

لا أعتقد أن خلافاً كبيراً قد ينشأ على أن الإدارة في معظم المنظمات العربية تعاني العديد من المشكلات والأمراض التي صار بعضها مستعصياً على العلاج في ظل تراكمات من عدم الوعي وعدم الرغبة في التعلم أو التغيير لدى غالبية أصحاب الأعمال والمديرين في مختلف القطاعات والصناعات .
ويمكن للقارئ العزيز الرجوع بالبحث إلى أمراض ديمنج السبعة، إلا أننا سوف نوجز في هذه التدوينة بعض الأمراض الرئيسية التي تعاني منها الإدارة العربية والتي تظهر جلية في المنظمات الصغيرة والمتوسطة صاحبة الأهمية البالغة في أي عملية تنمية وطنية أو قومية

واحد: أنا ربكم الأعلى

هو المؤسس بفكره وجهده وعبقريته.. ربما ساعدته ظروف السوق، وربما ساعده فريق عمل مجتهد مخلص، إلا أنه مازال مصراً على (عرض الرجل الأوحد)، كل القرارات بيده .. وكل الآراء عدا رأيه مجرد اجتهادات غير محترفة، لا يفوض السلطات فهو لا يثق إلا في قدراته هو ، ويتدخل في كل كبيرة وصغيرة في العمل، ويجب أن تُزيَّن كل ورقة بتوقيعه، باقي العاملين معه مجرد منفذين لتوجيهاته وأفكاره، لا يسمح بالإبداع والابتكار، وربما يحقر من شأن الآخرين في مناسبات مختلفة. لا يعترف بالتدريب لتطوير ذاته، ولا يسمح بمناقشة التوجهات المستقبلية مع آخرين. يستفيد من تواجد تلك النوعية من العاملين الذين يجيدون المداهنة وصنع وتمجيد الآلهة الإدارية، بينما يفر منه ذوو الشخصيات المستقلة، وبالطبع المبدعون والمبتكرون ليس لهم مكان معه.
هذا المدير أو صاحب العمل هو مرض في ذاته، وربما يتوجب عليه أن يمر بعدة صدمات عاصفة في مسيرته المهنية حتى يستفيق من غفلته ويبدأ بمعالجة مشكلاته.

اثنان: ما علمت لكم من مدير غيري

ربما نلاحظ ارتفاع معدلات دوران العمالة في منظماتنا العربية على المستوى التنفيذي، وبشكل أقل على مستوى الإدارة المتوسطة، إلا أن هذا المعدل ينخفض جداً على مستوى الإدارة العليا حيث يتحصل المديرون على امتيازات مادية ومعنوية أعلى كثيراً من التنفيذيين فيما يمثل فجوة مخلة، وذلك على الرغم من عدم تأهيلهم الكافي، وعدم قدرتهم على القيادة بمعانيها السليمة.

وعلى خلاف ما أورده ديمنج من أن أحد أمراض الإدارة يتمثل في معدلات الدوران العالية للمديرين، فإننا في أغلب منظماتنا العربية نعاني من مرض (التصاق) المديرين بكراسيهم، حيث يبذل المدير كل جهد ويتبع كل سبيل لكي يبقى على كرسيه إلى الأبد، وليت هذا الجهد المبذول يكون في اتجاه تطوير وتحسين القدرات، ولكنه يأتي في سياق الفهم العميق لنقاط ضعف متخذي القرار، والقدرة على الاحتفاظ بعلاقات (ممتازة) معهم تحول دون اتخاذ قرار التغيير أو الإقصاء، مع تحقيق الحد الأدنى من الأداء والذي ينفي عنه صفة الفشل الواضح.

هذا المرض يعزز وجوده المُلّاك وأصحاب القرار حيث يتوجب عليهم التخلي عن التفضيل الشخصي والإدارة بالهوى ثم بذل جهد كبير في تحديد وتطبيق مؤشرات أداء كمية وكيفية واضحة للمديرين من خلال نظام مناسب لإدارة وتقييم الأداء بالمنظمة، والذي يجب أن يأخذ في الاعتبار تقييم أصحاب المنفعة للمديرين ومن أهمهم العملاء والمرؤوسون والزملاء.

ثلاثة: الثقة المفقودة

تجتمع الإدارة العليا ثم تتخذ القرارات ثم تصوغها على شكل أوامر وتوجيهات ثم تعلنها للموظفين.. هكذا يتم الأمر في غالب الأحيان.. فقط خُذ ونفذ.. قد يكون قراراً عارضاً.. وقد تكون عملية تغيير جوهرية.. يستوي الأمر لدى الإدارة العليا، فهؤلاء بنظرهم مجرد أدوات لا تستحق شرح خلفيات ولا تفسير قرارات. ومن هنا تأتي مقاومة التغيير ، ومن هنا تُفقد فاعلية وكفاءة التنفيذ، ومن هنا تُفقد الثقة ويذهب الشغف.. هنا تُفتح الأبواب لمختلف التفسيرات من قبل التنفيذيين، بداية من أنه قرار خاطئ غير مبني على دراسة واستبيان، مروراً بأنه يصب فقط في مصلحة المنظمة دون النظر إلى مصلحة العاملين، وصولاً إلى أنها قرارات فردية اتخذت لمصلحة أشخاص بعينهم. يكون التنفيذ بارداً دون روح، وينعكس الفتور على المنتج والخدمة، وتصل التقارير للإدارة العليا فتبدأ هي الأخرى في فقدان الثقة في مدى قدرة العاملين على الإنجاز والتفاعل والتطور.. ولكن انظر من بدأ؟

إن عملية بناء الثقة بين الإدارة العليا والعاملين في المنظمة هي عملية تراكمية ممتدة، ولا يمكن أن تكون وليدة قرار أو عملية تغيير مفاجئة، والمحرك الأساسي فيها هو أفراد الإدارة العليا حيث يتوجب عليهم بذل مجهودات متواصلة في إيجاد وتفعيل نظم اتصال مناسبة ومتواصلة مع العاملين، ومن أهم عوامل بناء الثقة وجود رؤية استراتيجية وغايات وأهداف متوسطة وبعيدة المدى، ومعرفة كل فرد في المنظمة بدوره لتحقيق تلك الرؤية، والتفاف وتعاضد الجميع لأجل تحقيق هذه الغايات وتلك الرؤية.

أربعة: حكم الهوى

يتخذون قراراتهم بالخبرة وباستشارة المقربين، أو حتى بالتصويت. لكن هل بنيت تلك القرارات على بيانات ومعلومات حقيقية وصحيحة؟ من أهم آفات المنظمات العربية نقص البيانات والمعلومات، بل عدم الاهتمام بالأساس بتوفيرها وبناء قواعد لها، وفي كثير من الأحيان يُتخذ القرار دون دراسة كافية للمتغيرات المحيطة بواقع المنظمة سواء الداخلية منها أو الخارجية. يحجب المسؤولون بعض المعلومات بدعوى أنها (مصنّفة) بينما في الحقيقة الإفصاح عنها يخدم ولا يضر ، وفي أحيان أخرى يحجبون عنك ما لا يملكون، فالخزانة فارغة أصلاً ولكنه الخجل من إعلان الإفلاس.

الهوى في الإدارة هو اتخاذ قرار غير مبني على بيانات ومعلومات صحيحة في توقيت مناسب، وعندما يحكم الهوى تطيش القرارات ويعالج الحاضر بعشوائية، ويبنى المستقبل على أسس واهية.

على الإدارة العربية أن تدرك الأهمية القصوى لبناء قراراتها على أسس من الرُشد المبني على بيانات ومعلومات صحيحة، وهذا لن يتأتى إلا ببناء وحدات استراتيجية تكون مهمتها الأساسية جمع وفلترة وتنظيم وتحليل البيانات والمعلومات، وتقديم التقارير اللازمة لمن يلزم في الإدارة في توقيتاتها المناسبة.

خمسة: احترام مُخل

لا شك أن احترام الكبير وتقديمه يعد من أفضل وأهم القيم العربية المحمودة، ومن المعلوم ان عدداً لا بأس به من الشركات العربية هي شركات عائلية، وتتشكل في الغالب مجالس إداراتها من أفراد العائلة الذين يؤمنون بهذه القيمة ويعملون بها في حياتهم العائلية وأيضاً.. داخل مجلس الإدارة. وهذا هو المرض الأخير الذي نورده هنا، حيث يحدث خلط مخل بين ممارسة احترام الكبير وتقديم رأيه وبين دور عضو مجلس الإدارة الفاعل، فتجد أن العضو الأصغر سناً قد يحجم عن إبداء رأيه الصائب أحياناً احتراماً للرأي المخالف للعضو الأكبر سناً، وقد يخشى من الدخول في مناقشة موضوعية طالما أبدى الكبير رأيه، فتضيع على المنظمة فرص مستقبلية، وتتخذ قرارات لم تستوف حقها من النقاش والدراسة الحقيقية.

هذا الإشكال له جذور لا يمكن علاجها بين يوم وليلة، فالأمر يتعلق بموروثات وتقاليد عربية لا يمكن تجاهلها، ولكن يتوجب على مجالس إدارات المنظمات العائلية التوجه نحو أنظمة الحوكمة، وبناء الهياكل الإدارية المنضبطة، ووضع آليات اتخاذ القرار داخل مجالس الإدارات، كما نهمس في أذن الأعضاء الكبار ، دع الآخرين يتحدثون قبل إبداء رأيك وانشر جواً من حرية الرأي والقبول، وشجع على الأفكار المختلفة والمخالفة لك أحياناً، فالمنافسة لم تعد تحتمل المزيد من حكم الفرد أو المؤسسية المزيفة.

هذا كان غيضاً من فيض من الأمراض التي تعاني منها الإدارة العربية، إلا أن هذا لا يجب أن يفقدنا الأمل في تغيير إيجابي يحدث في نظم الإدارة في البلاد العربية التي تحظى بترتيب متقدم في تقارير التنافسية الدولية وكذلك التغيير الذي يحدثه بعض أصحاب الأعمال في الدول العربية الأخرى وذلك من خلال عدة مسارات منها على سبيل المثال التأهيل ثم التفويض حيث يحتاج المدير الفرد إلى فريق عمل مؤهل يستطيع الاعتماد عليه ليطمئن إليه ويفوضه في الإدارة ويتحول به إلى المؤسسية، وربما تكون أفضل وسيلة للتأهيل هي الاحتكاك المباشر مع ثقافات وأساليب إدارية متقدمة سواء باستقدام خبرات وكفاءات خارجية تشارك في العملية الإدارية وتنقل خبراتها ومعارفها إلى فرق العمل الداخلية، أو بابتعاث هؤلاء إلى منظمات وشركات متطورة للتدريب على أفضل الممارسات الإدارية والفنية ونقلها إلى المنظمة، وهذا أيضاً يقودنا إلى عمليات المقارنة المرجعية والتي يبحث من خلالها أصحاب الأعمال عن نماذج عالمية أو محلية ناجحة ذات أساليب إدارية مستقرة ويقومون بنقل هذه الاساليب وتطويعها بما يناسب البيئة المحلية لتكون أكثر كفاءة وفاعلية.
ومن هذه المسارات أيضا الاستعانة ببيوت خبرة عالمية كاستشاري في تطوير النظم الإدارية للمنظمة، إلا أن هذه العملية لابد وأن تصاحبها فعاليات تدريبية وتطويرية لفرق العمل بالمنظمة لتتمكن من تطبيق واستدامة وتطوير تلك النظم ، كما لا يجب أن نغفل دور الشباب رواد الأعمال في تحديث مفاهيم الإدارة على الرغم من احتياج ريادة الأعمال في بلادنا العربية إلى المزيد من الوقت والجهد لإحداث نقلة إدارية عربية ملحوظة.
لا شك أن الحلول متاحة وقابلة للتطبيق إلا أنها تحتاج إلى إرادة حقيقية في التغيير على كل المستويات، كما تحتاج إلى دعم كافة الهيئات والمنظمات ذات الصلة بما في ذلك المنظمات الحكومية والتي يجب أن تولي اهتماماً خاصاً بتطوير النظم الإدارية للشركات الصغيرة والمتوسطة والتي هي مناط النهضة المرجوة في عالمنا العربي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.