المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال عرفة Headshot

الأيزو .. برواز عربي وتنافسية دولية

تم النشر: تم التحديث:

المشهد الأول

لم يدُم اجتماع مجلس إدارة الشركة طويلاً حيث انتهى بموافقة سريعة على اقتراح رئيس المجلس بأن تحصل الشركة على شهادة الأيزو لما لها من أهمية كبرى في تحسين صورة الشركة أمام عملائها، ووضعها في مكانة متميزة بين المنافسين . وسرعان ما تعاقدت الشركة مع إحدى الشركات المؤهلة المعروفة بسرعة (الإنجاز)، وفي خلال أشهر قليلة كانت عملية التوثيق جاهزة لإجراء المراجعة الخارجية للنظام وكان كل موظف بالشركة يحفظ دوره جيداً، ويعلم تماماً ما يتوجب قوله أو تقديمه من مستندات للمراجع أثناء فعاليات المراجعة الحرجة والتي عادة ما تُحبس خلالها أنفاس الإدارة والعاملين بينما استشاريو الشركة المؤهلة مطمئنون تماماً لنجاح (العملية) .

المشهد الثاني

احتفال كبير وجوائز ومكافآت توزع بمناسبة تحقيق إنجاز الشركة بحصولها على شهادة الأيزو .

المشهد الثالت

برواز فخم يتصدر مدخل الشركة يحوي صورة من شهادة الأيزو وسياسة الجودة بينما تزين كافة الغرف والمكاتب براويز مماثلة ولكن أقل حجماً.

المشهد الرابع (والدائم)

كل المديرين والعاملين بالشركة يمارسون أعمالهم بنفس الطريقة وذات الروح التي سبقت المشهد الأول مع بعض الاختلافات في شكل الوثائق والمستندات المستخدمة، واستعداد روتيني متكرر لعمليات المراجعة الدورية لتجديد شهادة الأيزو .
أيزو (ISO) هي المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (غير حكومية) مقرها في جنيف وتضم المئات من الخبراء في مختلف التخصصات من أكثر من 130 دولة . تمنح شهادات مطابقة مع مواصفات قياسية تم إعدادها بواسطة هؤلاء الخبراء في مختلف المجالات منها المواصفة القياسية لنظام إدارة الجودة ISO 9001، والمواصفة القياسية لنظام إدارة البيئة، والمواصفة القياسية لنظام إدارة تقنية المعلومات، والمواصفة القياسية لنظام سلامة الغذاء، والمواصفة القياسية لنظام أمن وسرية المعلومات، وغيرها من المواصفات القياسية والإرشادية .
ويبذل هؤلاء الخبراء جهوداً عظيمة ودائمة من أجل إصدار مواصفات تتضمن طرق عمل وإرشادات واشتراطات تهدف في الأساس إلى الارتقاء بجودة المنتجات والخدمات التي تقدمها المنظمات والشركات في مختلف المجالات مع استمراريتها بمستويات جودة معينة، وإلى تعظيم القيمة التي يحصل عليها العملاء والمستفيدون ، بالإضافة إلى خلق بيئة عمل مناسبة وآمنة للعاملين بتلك المنظمات والشركات .
ولو نظرنا (على سبيل المثال) إلى المواصفة القياسية لنظام الإدارة بالجودة ISO 9001 لوجدناها تعد مثلاً رائعاً في تعظيم القيمة التي يمكن أن تضاف إلى المنظمات التي تطبقها ولعملائها وكافة الأطراف المستفيدة خاصة الإصدار الجديد منها لعام 2015 والمزمع إصداره رسمياً في الربع الأخير من هذا العام والذي يختلف بشكل كبير عن الإصدار السابق لعام 2008 حيث يركز على أهمية القيادة، وعلى الأهداف الاستراتيجية للمنظمة كمنطلق لأهداف الجودة، وعلى السياق العام المحيط بالمنظمة من دراسة للبيئة الخارجية كبيئة الصناعة والمنافسة، وتحليل PESTELED والذي يعنى بتحليل المتغيرات السياسية والاقتصادية والمجتمعية والتكنولوجية والبيئية والقانونية والأخلاقية والديموغرافية. ودراسة البيئة الداخلية بما تحويه من نقاط قوة ونقاط ضعف وجدارات وميزات تنافسية . ويؤكد هذا الإصدار على القيمة المضافة للعملاء والأطراف المستفيدة والفهم العميق لاحتياجاتهم ومتطلباتهم، كما استحدث هذا الإصدار ضرورة التفكير المبني على المخاطر وبناء السيناريوهات بما يمكن المنظمة من مواجهة حالات عدم التأكد السائدة حالياً في العالم أجمع. وهذا التغيير يضع الشركات المؤهلة والشركات المانحة في مواجهة تحدٍ حقيقي حيث صار يتوجب عليهم الدراسة المتعمقة لطبيعة أعمال المنظمات الراغبة في مطابقة المواصفة، والحرص على التطبيق الفعلي لموجبات التطوير وهو ما تهتم به المواصفة بعيداً عن الاهتمام التقليدي بعملية التوثيق فقط .
وإحصائياً فقد حصلت المنظمات العربية الحكومية والخاصة وغير الحكومية منذ بداية منح شهادات الأيزو في 1993 حتى العام 2013 على ما يزيد على مائة واثنتي عشرة ألف شهادة في المواصفة القياسية لنظام الإدارة بالجودة ISO 9001 وحدها، تتصدرها المنظمات الإماراتية ثم المصرية فالسعودية ثم التونسية. وعالمياً تختلف الأرقام كثيراً حيث حصلت المنظمات الإسرائيلية على ما يقارب المائة وواحد وعشرين ألف شهادة. بينما تحتل الصين الصدارة العالمية حيث حصلت على ثلاثمائة وسبعة وثلاثين ألف شهادة في عام 2013 فقط تليها إيطاليا بحوالي مائة وواحد وستين ألف شهادة ثم ألمانيا واليابان والمملكة المتحدة وإسبانيا والهند. www.iso.org/iso/iso-survey
وبنظرة تحليلية مبسطة جداً على هذه الأرقام نجد أن الاهتمام العربي بالحصول على شهادات الأيزو بدأ مبكراً حيث حصلت الإمارات والسعودية وتونس على شهادات اعتماد في العام الأول 1993 تلتها باقي الدول العربية بالتتابع. وأن مجموع ما حصلت عليه الدول العربية من شهادات اعتماد لهذه المواصفة نسبة يمثل 0.9% من الإجمالي العالمي وهي نسبة ضئيلة جداً تعكس حالة الاهتمام بجودة العملية الإدارية في دولنا العربية إذا ما أهملنا النسب غير المذكورة لأنظمة التميز الإداري الأخرى والمطبقة بشكل فردي بسيط. وأن عدد الشهادات التي حصلت عليها إسرائيل وحدها يمثل 107.3% من عدد الشهادات التي حصلت عليها الدول العربية مجتمعة .كما يتزايد الاهتمام العالمي بشكل كبير لتطبيق هذه المواصفة، ودخلت دول مثل الهند والصين والبرازيل قائمة العشر دول الأكثر حصولاً على الشهادة للعام 2013.
ولدينا هنا عدة مفارقات وملاحظات تمثل الهدف الرئيس من هذه التدوينة ألخصها فيما يلي:
أولاً الحصول على شهادات الأيزو يجب أن يكون نتيجة طبيعية للتطبيق الفعلي المتطور والمستدام لمجموعة المتطلبات والإرشادات الواردة في المواصفات، والذي ينعكس عملياً بالإيجاب على أداء المنظمة، وعلى القيمة المضافة للعملاء والأطراف المستفيدة، وهذا ما تفعله المنظمات التي ترغب قياداتها فعلياً في هذا، تساعدها شركات مؤهلة تحمل ذات الهدف، وتمنحها الشهادة شركات مانحة تؤمن بأهداف الجودة وتراقب المضمون والقيمة، وهذا ما يتحقق فعلياً في بعض الدول العربية التي حققت معدلات مرتفعة في مؤشرات التنافسية الدولية مثل الإمارات وقطر والسعودية وبعض الدول الخليجية الأخرى. وهو ما يحدث يقيناً في دول العالم المتحضر وكذا في إسرائيل (العدو) التقليدي للدول العربية .
ثانياً الحصول على شهادات الأيزو صار للأسف هدفاً في ذاته للعديد من المنظمات العربية بغض النظر عن مضمون حقيقي، أو تغيير إيجابي، أو قيمة مضافة لأيٍ من الأطراف المستفيدة، وهذا ما نجده بيناً في المشاهد الأربعة في صدر هذه التدوينة والتي أزعم أنها مشاهد متكررة في أغلب المنظمات والشركات العربية، يساعدها على ذلك شركات مؤهلة احترفت فقط (تظبيط) الوثائق والإجراءات، وشركات مؤهلة تعلم يقيناً أن ما تراجع عليه لا يتعدى حبراً على ورق، ومجموعة من (الأدوار التمثيلية) تم تحفيظها بعناية للموظفين ثم يعود كل منهم إلى ما كان عليه قبل المراجعة وقبل الشهادة .
إن المائة واثنتي عشرة ألف شهادة التي حصلت عليها المنظمات العربية في مواصفة واحدة تتعلق بأنظمة الإدارة ــ على الرغم من قلة عددها بالمقارنة مع الأرقام العالمية، لو تم تطبيقها (فقط بضمير) فإنها كفيلة بإحداث تغيير كبير وملحوظ في جودة المنتجات والخدمات التي تقدم للمواطن العربي، وهي كفيلة أيضاً بتواجد أجيال من المديرين يخططون جيداً لما يفعلون، ويطبقونه بشكل سليم ومن ثم يراقبونه ويطورونه بشكل مستمر، ولكننا للأسف لا نستطيع تلمس نتائج فعلية على الأرض، بل حالة من التردي الشديدة لمنتجاتنا وخدماتنا على اختلاف القطاعات والأحجام .
وأخيراً فإن مواصفات وإرشادات الأيزو تعد من أهم الأدوات الإدارية والمعايير القياسية العالمية والتي تلقى اهتماماً متزايداً من دول العالم المتطور، وهو ما تظهر نتائجه واقعياً على جودة حياة مواطني تلك الدول وفي مؤشراتها الاقتصادية والمجتمعية والتكنولوجية، وعلى ترتيبها التنافسي بين دول العالم، بينما يغطي التراب رويداً رويداً على الآلاف من البراويز التي تحوي شهادات مزيفة وسياسات مصطنعة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.