المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال عرفة Headshot

القطاع الثالث.. تهميش متعمد وفرص مهدرة

تم النشر: تم التحديث:

عندما سُئل رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق إدوارد بلادور عن المشردين الذين قضوا من شدة البرد في شوارع باريس سنة 1993، قال معبرًا عن عجز الدولة عن التكفل بكل المشاكل المجتمعية: "إن التضامن الطبيعي بين الناس يجب أن يغلُب على تدخل الدولة".

في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها (أقوى اقتصاد في العالم) يوجد أكثر من 45 مليون مواطن أمريكي يعيشون تحت خط الفقر لم تستطع الحكومات الأمريكية المتعاقبة ولا القطاع الخاص سد احتياجاتهم الأساسية، وفي عالمنا العربي يعيش ما يزيد على أربعين بالمائة من المواطنين تحت خط الفقر مما يعكس العجز الشديد للحكومات والقطاع الخاص في التعامل مع المشاكل المجتمعية والتنموية. هذا التردي العالمي في التعامل مع تلك المشكلات والناتج عن أنظمة اقتصادية واجتماعية لم تثبت قدرتها على التعامل مع الاحتياجات الإنسانية المتعددة والمتباينة يثبت مدى الحاجة إلى اعادة النظر في مفهوم وشكل العلاقة بين مكونات المجتمع الرئيسة، وإلى تعزيز الدور الذي يقوم به المجتمع المدني في جهود التنمية. وقد أجمع العديد من خبراء الاقتصاد في العالم على أهمية العمل الخيري والتضامن بين الناس في تحقيق الكفاية والتنمية لمساندة الجهود الحكومية والقطاع الخاص.

ويتصدر الوقف جهود العمل الخيري على مر التاريخ حيث كان له الدور الأكبر في التصدي للمشكلات المجتمعية الناتجة عن الفقر والعوز، بل وساهمت إنجازات القطاع الوقفي في تحقيق نتائج تنموية هائلة، ففي تاريخ الحضارة الإسلامية سجلت مؤسسات الوقف بصماتها الواضحة حيث كان الوقف هو الممول الرئيس للكثير من المرافق كالتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية ومؤسسات الفكر والثقافة ومنشآت الاقتصاد. فنجد أن الدولة الأموية والعباسية والعثمانية قد أولت اهتمامها الأول لجانب التنظيم والأمن والدفاع ، بينما تُرك تطوير المجتمع الداخلي للعلماء والمتخصصين وأهل الخير، فتنوعت أوجه الوقف وانتشرت مفاهيمه وأقبل القادرون على المساهمة فيه حتى صار ثقافة مجتمعية تساندها الدولة بمفهوم التعاضد من أجل التنمية والتقدم.

وفي المجتمعات الحديثة نجد أن تجربة الوقف حازت على اهتمام العديد من المنظمات والأفراد حيث يسجل القطاع الخيري في الولايات المتحدة الأمريكية ما يزيد على عشرة بالمائة من حجم الاقتصاد، فظهرت تجارب عملاقة تساهم بأعمال خيرية وتنموية مؤثرة مثل مؤسسة بيل وميلندا جيتس الوقفية التي أنشئت عام 2000، وتعدت الاستفادة من برامج هذه المؤسسة النطاق المحلي إلى النطاق العالمي حيث تقدم منحًا دراسية للطلاب من كافة دول العالم. كما تقدم مساعدات للمجتمعات الفقيرة في مختلف الدول. ومن التجارب الوقفية الرائدة تجربة الجامعات الوقفية في تركيا حيث سمحت الدولة لرجال الأعمال وشجعتهم على إنشاء جامعات أهلية حديثة غير ربحية وغير تقليدية، تقتحم مجالات بحثية وصناعية متطورة تدعم البحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة، والتي تُسهم في تنفيذ إستراتيجية الدولة، وذلك بالتوجه نحو التخصصات النادرة التي تتطلبها خطط التنمية والتي تفتقر إليها الجامعات الحكومية بسبب تكلفتها العالية، مثل النانوتكنولوجي والبيوتكنولوجي والحاسبات الفائقة وعلوم الفضاء والطاقة النووية وغيرها، لتصبح هذه الجامعات ركيزة أساسية في منظومة التعليم العالي والبحث العلمي في تركيا، هذا بالإضافة إلى تجربة العديد من الجامعات الأمريكية والأوروبية وعلى رأسها هارفارد ويال الأمريكية وكامبريدج وأكسفورد البريطانية.

والمفهوم الأساسي للوقف هو حبس الأصل وتسبيل الثمرة حيث يوقف التصرف بالأصل برغبة الواقف، وجعل ما ينتج عنه من ثمار ربحية أو نفعية في سبيل الله أو في سبيل النفع المجتمعي بحسب نية الواقف. والوقف يتكون من ثلاث مكونات رئيسة هي وحدات الفائض والتي يمثلها جمهور الواقفين أو المتبرعين، ووحدات العجز والتي تمثل المصارف التقليدية وغير التقليدية التي تحتاج إلى استثمار الأصول الموقوفة بها، والطرف الثالث هو المؤسسة الوقفية التي تدير هذا الوقف والتي كان يطلق عليها سابقًا ناظر الوقف. وكانت تحكم العلاقة بين هذه الأطراف الثلاثة روابط تقليدية نجحت سابقًا وفقًا للآليات والمناخ السائد في بلادنا العربية آنذاك.

والناظر إلى الدور الوقفي في العالم العربي الآن يجده قد انحسر كثيرًا حتى فقد تأثيره المجتمعي والتنموي بسبب حملات تشويه متعمدة هدفت إلى تخريب المجتمعات وإضعافها على مر العقود الماضية، وأيضًا بسبب التدخلات الحكومية المتعاقبة والتى تفاوتت بين إصدار قوانين وتشريعات منظمة ، وبين تدخل مباشر بالاستحواذ على أصول وقفية وضمها إلى أملاك الدولة أو إلى السيطرة المطلقة على العملية الوقفية بإنشاء وزارات ومصالح حكومية تحكم العمل فيها وتغيِّب الدور المجتمعي في إدارته فطاله الفساد والإهمال حتى بارت ثمرته وفقد تأثيره والهدف منه.

إلا إن هناك محاولات حديثة جادة يعززها بعض الدعم الحكومي وخاصة في الكويت والسعودية وقطر والإمارات تبشر بعودة الدور المجتمعي والتنموي للوقف والتي نرجو أن تمتد لتشمل الدول العربية الأكثر فقرًا والأشد احتياجًا لجهود هذا القطاع الهام وثمراته.

إن التحديات التي يواجهها قطاع الوقف في دولنا العربية وخاصة التي تحكمها الأنظمة الشمولية هي تحديات تتعلق في الأساس بنوايا تلك الحكومات وبمدى فهمها للدور المساند الذي يمكن لهذا القطاع أن يقوم به في عملية التنمية المستدامة والعناية المجتمعية. حيث لا نشك في هذه المقدرة إذا ما سُمح للمجتمع المدني أن يقوم بالدور الرئيس في تنظيم الأوقاف دون تدخل حكومي تنظيمي أو تشريعي .

كما أنه يتوجب إعادة النظر في المصارف التي يقوم الوقف عليها لتتحول من الوقف العقاري في أغلبه إلى مصارف تنموية تتناسب مع متطلبات العصر مثل جهود البحث العلمي وتشجيع الإبداع والابتكار وتبني المواهب والطفرات الإنسانية في مختلف المجالات.

لقد فقدت الشعوب الثقة في السياسيين فأحجمت عن التبرع أو الوقف للمشروعات التي يديرونها، ونحن على ثقة أن الملايين من المواطنين العرب ممن يملكون فوائض مادية وعينية لديهم الرغبة والاستعداد لبذل أجزاء كبيرة مما يملكون في القطاع الوقفي بشرط أن تبتعد الحكومات عن إدارته، وأن توجد المؤسسات والكيانات الوقفية التي يمكن الوثوق بها والتي تأخذ بأسباب العلم والدراسات والتجارب الحديثة في إدارة الأصول واستثمارها. على أن تتواجد جهات رقابية تتكون في الأساس من المجتمع المدني تقوِّم وترشِّد أداء تلك المؤسسات.

كما أنه يتوجب إيجاد الآليات المناسبة التي تحفز وتدفع وحدات الفائض المتمثلة في جمهور الواقفين للمزيد من العطاء، وآليات أخرى تحفز العاملين على إدارة الأوقاف على المزيد من الجهد لاستشراف وتنفيذ سبل مبتكرة وحديثة في الإدارة وكذا في الاستثمار المبني على مفهوم النفع المجتمعي والتنمية المستدامة.

وبهذا الصدد يمكن للمنظمات والمؤسسات الوقفية الغير هادفة للربح وتلك الهادفة للربح القديمة والتي تم إنشاؤها خلال العقود الأخيرة وخاصة في دول الخليج العربي أن تنسق فيما بينها، وتوحد جهودها من أجل تحقيق عدة غايات من أهمها إعادة الثقة في المؤسسات الوقفية باتباع الممارسات الأخلاقية والقيمية والعمل باحترافية، ولنشر ثقافة الوقف بين القادرين وبالتالي زيادة الأصول التي تصب في هذا القطاع، وأيضًا لتمثل عامل ضغط قوي على الحكومات لتقلل من التدخل التنظيمي والتشريعي في إدارة الأوقاف وإسناد المهمة بالكامل للقطاع المجتمعي، وهذا كله يتطلب انضمام كوادر علمية ومهنية محترفة تدير بكفاءة وفاعلية وتمنح الثقة لكل الأطراف المهتمة.

إن قطاع الوقف هو القطاع الثالث إلى جانب القطاعين الحكومي والخاص والذي يمكن باستقلاليته وحسن إدارته أن يحقق مفاهيم العدالة المجتمعية ويساعد في تحقيق التنمية المستدامة لمجتمعاتنا العربية إذا ما خلصت نوايا حكوماتها، وتخلصت شعوبها من حالة فقدان الثقة في كل ما هو حكومي أو خيري.

ولا شك أنه يوجد العديد من المهتمين بالبذل والعطاء في القطاع الوقفي ولكنهم لا يعلمون الطرق والمسارات الصحيحة للوقف كلٌّ في بيئته ووطنه، وهذه ما سوف نحاول إيضاحه في مقال قادم إن شاء الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.