المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جلال الصاوي Headshot

فوبيا الحب

تم النشر: تم التحديث:

رغم أن الحب قوة قاهرة تشد من أزر الإنسان، فإن الغريب في الأمر أننا أصبحنا جميعاً مصابين بدرجة ما أو بأخرى بما بات يعرف بفوبيا الحب والخوف من الارتباط!

على الرغم من أن الحب هو نقيض الخوف فالحب هو ما يدفعنا للتغلب على أكبر خوف ممكن، وهو الخوف من الموت، فالإنسان عندما يتملك الحب من قلبه، فإنه يهب نفسه في سبيل ما أحب، فكيف يعقل أن نصل إلى مرحلة يسيطر علينا الخوف فيها حتى نخاف من الحب نفسه!

إن تلك الظاهرة لها عدة أسباب متداخلة، ومع الأسف بسبب تداخلها فإنها تزيد الأمور تعقيداً، وبعيداً عن الأسباب السطحية التي تطفو على السطح، فإننا سنحاول تحليل تلك الظاهرة في أبعادها الأكثر عمقاً.

ودعنا نبدأ بتلك الأسباب البيئية، فيبدو أن طبيعة العصر الاستهلاكية التي حولت كل شيء إلى علاقات تعاقدية لا تراحمية، وأصبح كل شيء قابل للاستبدال، بما في ذلك من نحبهم!

إن طبيعة حياتنا التي أصبحت تزيد من عزلتنا هي من أحد أسباب الخوف من الحب، ذلك أن الإنسان أصبح يتصل ولا يتواصل! وهناك فارق بينهما ففي التواصل هناك فعل ومجهود، هناك التقاء، هناك علاقة يتم بناؤها، أما الاتصال فإنه تعامل مع أدوات تعامل سطحي جاف وبارد لا حياة فيه.

"ففي ثقافة استهلاكية كثقافتنا؛ تفضل المنتجات الجاهزة للاستخدام الفوري، والاستعمال السريع، والإشباع اللحظي، والنتائج التي لا تحتاج لجهد طويل، والوصفات السهلة المضمونة، والتأمين ضد كافة المخاطر، وضمان استرداد القيمة المدفوعة. من هنا يصبح الحب تجربة تشبه تجربة شراء السلع الأخرى!" (زيغمونت باومن).

وهناك أسباب نفسية، ذلك أن الإنسان تتملكه نزعة للتحلل والتنصل من واقع وجوده، فنحن نميل لخداع أنفسنا كي ننكر حريتنا ومسؤوليتنا، وهو ما يعني إنكار الاختيار الحر لمستقبلنا وتحقيق إمكاناتنا الكبرى، فنتعثر في عالم عام يختزل كل شيء نحو الفتور واللاعاطفة، فنفقد بذلك تلك الحياة الممتلئة بالعاطفة والإبداع والحيوية والتعامل مع المجهول، ونستبدل ذلك بحياة روتينية يقينية واضحة بسيطة!

فنعيش بذلك نصف حياة لا حياة كاملة، فنصبح أقل قدرة على مواجهة التحديات والمعطيات التي يتحتم علينا مواجهتها، ولأن الواقع يظل كما هو بغضّ النظر عن خداع أنفسنا، فإن كل الدفاعات النفسية التي نبنيها لحماية أنفسنا أو لخداعها بمعنى أدق، ستتداعى بلا أدنى شك.

لذلك فنحن نميل إلى العزلة؛ لأن التوجه صوب الآخرين في علاقة حب يعني أننا سنخرج من ذلك الحصن المنيع المحصّن وسنواجه أنفسنا والواقع كما هو، دون تزييف أو خداع، وذلك ما نخشاه لهذا السبب، فبدلاً من أن نطور علاقة "ذات" بـ"ذات أخرى"، فإننا نميل إلى جعل العلاقات تبادلية نفعية فحسب، يندر فيها عناصر الترابط والألفة الحقيقية.

وهناك سبب آخر يتعلق بمثالية التوقعات والرومانسية المبالغ فيها، فبسبب ما نراه ونسمعه عن الحب في الإعلام فإننا أصبحنا نرغب في ذلك الحب الهوليوودي الذي نراه على الشاشات ونسمعه في الأغنيات!

من هنا يعلو سقف توقعاتنا لدرجة تنفصل تماماً عن الواقع ولدرجة يصبح معها تحقيق تلك المعايير أمراً مستحيلاً.

فيخشى الإنسان الحب والدخول في علاقات خوفاً من أن يصطدم بالواقع ويصبح الإنسان ضحية تجارب عاطفية لا علاقات مكتملة، والتجربة تعني أن يدخلها الإنسان بسهولة كما يخرج منها بسهولة أيضاً، بل التجربة في حقيقة الأمر تعني ضمان الخروج أولاً قبل الدخول!

في حين أن من طبيعة الحب قبول المجازفات والمتاعب، فالحب هو الانفتاح على القدر ذلك المستقبل المخيف والغامض الذي لا يمكن توقعه ولا استباقه وتجنبه، هي حالة يمتزج فيها الفرح بالخوف؛ ليتحولا لخليط ممتزج يصعب فصله! فيبدو أن أولى خطوات التغلب على فوبيا الحب هي حب الفوبيا!

إنه ميلاد للحرية، حرية اختيار شريك الحياة، تلك الحرية التي تتجسد فيه، فضلاً عن أنه مسؤولية فهي عملية اكتشاف ولا سبيل إلى توقع نتيجتها مسبقاً، فلا بد من بذل التضحيات كل يوم، ولا يكاد يوم يمر دون مشاحنات واشتباكات، فإما نكتشف أعماق شريكنا ويظهر الخير الكامن فيه، أو على العكس تماماً يظهر الشر الكامن بداخله، وكل ذلك يتطلب وقتاً طويلاً مما يمكن أن نتحمله، وقتاً يكلفنا الكثير من الدموع والآلام والدماء، وقتاً أصبح عملة نادرة في عصر السرعة.

ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بتواضع حقيقي، وشجاعة حقيقية، وإيمان حقيقي، وانضباط حقيقي، كما يرى إيرك فروم، ولكنه سرعان ما يعود ويؤكد في حزن وأسى: "إنه في ثقافة تندر فيها تلك الخصال، لا بد من أن تندر بالمثل القدرة على الحب!".

ومن ضمن الأسباب الأخرى وهو أهمها على الإطلاق أن الإنسان هو في مواجهة الخوف من العزلة دائماً، الخوف من الانفصال والفقدان، الخوف من الوحدة، ولمواجهة ذلك الخوف فالإنسان يطور بشكل لا شعوري عدة استراتيجيات دفاعية لحماية نفسه من الوعي بهذه العزلة التي يواجهها، وقد تختلف تلك الدفاعات وتتنوع، ولكن لعل أهمها وهو ما لا يخرج عن جوهر الموضوع هو أن تفضي تلك الدفاعات ضد الإحساس بالعزلة، وعلى نحو مناقض إلى السقوط في مزيد من العزلة!

فالخوف من الحب يجعلنا أعنف في الحب، والحب العنيف هو حب خائف، فالعنف نابع في جوهره من الخوف، كما ترى حنة أرندت، بالمثل فإن الشخص الذي يحب بعنف هو شخص سيميل إلى الخوف من الحب، والحب العنيف يعني أن يميل الإنسان إلى الامتزاج الكامل بالشخص الآخر، إنه يرغب في أن يبتلعه الآخر، أو أن يبتلع هو الآخر؛ لأنه في حاجة لكي يلغي تلك المسافة بينهما؛ لذلك هو يشعر بالضعف والإحباط؛ لأنه مهما فعل يستحيل أن يصير هو ومَن يحبه شخصاً واحداً أبداً!

وبسبب عدم قدرته على الامتزاج الكامل العنيف بالآخر، فإنه يبتعد تماماً عن أي علاقة تجمعه بالآخر، إنه خوف من فقدان ذلك الآخر، ولأنه سيعجز عن استعباد الآخر في حبه، فإنه سيتخذ قراراً باستبعاده تماماً من دائرة حبه! وكلا السلوكين يعد من أخطر الانحرافات وأشهرها التي تصيب العلاقات.

فينبغي قبل كل شيء أن نتساءل: لماذا نحب؟ ولماذا نتزوج؟! إن الإجابة على كلا السؤالين كفيلة بأن تفتح لنا أفقاً يجعلنا قادرين على كسر قيود الخوف من الحب والتحرر من ذلك الشبح الذي يطاردنا، ذلك لأننا لا ندرك حقيقة الهدف أو الغاية من الحب أو الزواج، فإننا نميل إلى تجنبهما معاً؛ لأن الإنسان عدو ما يجهل، أضف بالطبع أننا نخفق تماماً في كيفية الحب وكيفية الزواج مما ينتج عن ذلك علاقات فاشلة وإخفاقات مفجعة تزيد من جرعة الخوف أكثر فأكثر!

إن الوقوع في الحب مجازفة، ولا ينكر أحد ذلك، وعواقب تلك المجازفة وخيمة، وذلك لا ريب فيه، وإن كانت السفينة وهي على الشاطئ تكون في أمان وسلام، فإنها لم تُصنع من أجل أن تكون على الشاطئ، وبالمثل فإن القلب في عزوفه عن الحب يكون في مأمن، ولكنه لم يُخلق من أجل ذلك.

إن الطفل عندما ينفصل عن عالمه الوحيد وهو رَحِم أمه، فإنه يعاني ويصرخ ويبكي ولكنه مع الوقت يبدأ في اكتشاف العالم الجديد، ولا يخلو اكتشافه من ارتكاب الأخطاء والحماقات إلى أن يتعلم أن يحبو ثم يمشي.. إنه ينضج.

والحب وإن كانت تكلفته المعنوية خطيرة، إلا أنه السبيل الوحيد لنضج الإنسان العاطفي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.