المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جلال الصاوي Headshot

امرأة.. ولكن قوية!

تم النشر: تم التحديث:

المرأة القوية.. أصبحت تلك العبارة شائعة الاستخدام، فغالباً ما ستجد كثيراً من النساء يصفن أنفسهن بأنهن نساء قويات وذكيات، ولا بد وأن يتبع ذلك إشارة مبطنة للرجل الشرقي الذي يرفض هذا النوع من النساء، بل ويخاف منه!

وأعتقد أن هذا ادعاء لا أساس له من الصحة فالرجل، ولا أقول الذكر، لا يمكن أن يرفض المرأة الناجحة الذكية أبداً، إنما هو يرفض تلك التي تُنافسه وتحاول إذلاله وإخضاعه تماماً، كما تكره المرأة الرجلَ الذي يحاول إذلالها.

وأيا يكن، فما تلك القوة المزعومة؟ ولماذا ظهرت الآن؟ وما أنواعها؟ وهل تدرك النساء تلك الأنواع والفوارق أم لا؟ وهل ينبغي أن تكون المرأة قوية؟ وهل هي ضعيفة أصلاً؟!

في مجتمعاتنا، وربما في كل المجتمعات، هناك ضغوط خارجية على المرأة، ناهيك عن الضغوط النفسية، ولعل الصورة المجازية التي شبَّه بها الرسول الكريم المرأة بالقارورة، موصياً بالرفق بها، معبرة جداً، فالمرأة في حالتها الطبيعية أشبه بالقارورة، فهي شفافة نقية تحتاج لرعاية واهتمام، لأن سقوطها يعني تهشمها وربما كسرها إلى الأبد.

وعندما تتلوث فإنها تتحول تدريجياً إلى النمط الأشد تطرفاً؛ إلى مسخ مشوه تخالف فطرتها وطبيعتها ومن المستحيل التعرف عليها، بل هي نفسها كثيراً ما تنظر لنفسها في المرآة متسائلة: مَن أنتِ حقاً؟! إذاً فعندما تلجأ المرأة للقوة فإن ذلك يعني أنها عانت كثيراً فيما مضى، وأن سبب معاناتها غالباً ما يكون الرجل، الذي يكتوي فيما بعد بنار قوتها تلك!

ولكن عن أي قوة نتحدث؟
إننا نرى القوة التي تتبناها المرأة، سواء بوعي أو من دون وعي منها، تتوزع على ثلاثة مستويات:
- مستوى الاستقواء في المشاعر: وتلك أفضنا في وصفها في مقال فتنة المرأة اللعوب.

وهنا تنشأ المعاناة والكراهية تجاه الجنس الآخر، والذي قد تكون له مبرراته وأسبابه، فعندما تُجرَح المرأة في مشاعرها فإن قلبها يتحجر بشكل تلقائي، لأن الإنسان فُطر على الهروب من الألم، ولا يوجد أشد إيلاما من وجع القلوب.

فالمرأة في غريزتها شوق جامح للحب، ذلك الشعور الملح الذي يدفعها إلى تسليم حياتها وروحها وجسدها للرجل الذي أخلصت له الحب، وإذا حدث وأعرض عنها، أو صُدمت فيما كانت تصبو إليه، استيقظ فيها شعور التمرد والانتقام، فتحتقر الرجل مزدرية إياه، ناقمة عليه، وما التبعة في ذلك إلا على الرجل الذي أصبح رسولاً للموت، بعد أن كان في مخيلتها رسولاً للحياة!

وهناك المستوى الثاني: وهو أخطرها على الإطلاق، فهي تتبنى القوة بمعناها الفلسفي، وليس شرطاً أن تكون مدركة لما تبنَّته من قيم وأفكار، فهي غالباً ما تفعل ذلك دون وعي منها تلك المفاهيم النسوية المتمركزة حول الأنثي، التي يتم بثها ومحاولة إقناع النساء بها حتى تفتتن بتلك المفاهيم البراقة، دون محاولة فهم القيم الكامنة التي تحملها.

وفي حين أنه لا تعارض مع حقوق المرأة في إطار الإنسانية المشتركة، فتُعامل المرأة كفرد اجتماعي مختلف عن الرجل، ولكن هذا الاختلاف لا يُبرر ظلمها أبداً. فإن ذلك يختلف عن التركيز على المنفعة المادية وتسليع الإنسان وإعلاء القيمة الاقتصادية، والاهتمام بالقيم المادية على حساب القيم الاجتماعية والأخلاقية. فيصبح عمل المرأة ضرورياً للنظام المادي، ولم تعد الوظيفة التقليدية "الأمومة ورعاية الطفل" شيئاً ذا قيمة، لأنّها غير مجدية اقتصادياً، بل حتى مشاعر الحب لم تعد ذات قيمة، فأصبحت المرأة عملية لا تفكر إلا تفكيراً مادياً!

فانقسام العالم إلى ذكور متمركزين على ذواتهم، وإناث متمركزات على ذواتهن، في حالة صراع وهيمنة، ويتم التشديّد على الفوارق بين الرجل والمرأة وأنّه لا توجد إنسانية مشتركة بينهما. فالمرأة هنا متمركزة حول ذاتها تشير إلى ذاتها، مكتفية بذاتها، تود اكتشاف ذاتها، وتحقيق ذاتها خارج أي إطار اجتماعي، وفي حالة صراع كوني أزلي مع الرجل المتمركز حول ذاته هو الآخر.

ينتج عن تبنِّي تلك المفاهيم المادية أن تصبح المرأة مجردة من المشاعر، أخلاقها ليست إلا أخلاقاً لتبرير الأفعال فقط لا غير، فالأصل هو ما تفعله وتأتي الأخلاق لتسويغ وتبرير هذا الفعل.

ففي النهاية الغاية تبرر الوسيلة، والغاية هي الهدف الذي تضعه لنفسها الذي يدور حول تحقيق ذاتها عملياً بأي شكل وبأي ثمن.

فتعزل نفسها عن الرجال كي لا يتطرق إليها أي انحلال أو ضعف، نتيجة اتصالها بهذه الكائنات التي تراها أقل منها! فهي لا تراهم إلا بصورة ذئاب بشرية تتربص بها في مجتمع ذكوري متحيز ضدها وضد نجاحها! (ذلك النجاح العملي الذي عادة ما يكون تعبيراً عن عقدة نقص وفشلها في تحقيق النجاح في دورها الأساسي).

وتتسم تلك المرأة بغريزة السيطرة، وحب الغزو، والمخاطرة، وتحتقر الرحمة، وتجد النعيم في الانتصار والتدمير، وتشعر بسرور عميق وهي تعذِّب الرجل، خاصة إذا تمكنت من تحريك مشاعره تجاهها!

امرأة متألّهة خالقه لنفسها، محايدة بلاستيكية، لا تشعر بشيء، تخلصت من الضمير، والشفقة، والرحمة، ولا تشعر بالتشاؤم ولا الإحباط!

امرأة خارقة Superwoman لا تسمح لنفسها بالضعف الإنساني البشري، فهي أسمى من الملائكة، وهي لا تعرف أنصاف الحلول ولا المساومات، فالأمور بالنسبة لها أما أبيض أو أسود، وهي تفهم كل شيء بهذه الطريقة.

وكما أشرنا فإنها غالباً ما تُبرر أفعالها وتغطيها بمسحة من الأخلاق المثالية الطوباوية، التي تبدو متسامية، ولكنها ليست كذلك في حقيقتها.

فهي وإن كانت تبغض الكذب الذي يُمارس عليها، تجدها تمارس هي الخداع! وهو لون من ألوان الكذب. وإن كانت تميل إلى العفو والمسامحة تجاه الآخرين فإنها تفعل ذلك ليس التزاماً بقيم، وإنما كي تؤكد قوتها لأنها ترى في عدم القدرة على السماح ضعفاً، فهو مجرد سلوك بيولوجي فحسب، يحقق لها السلام الداخلي، والسطوة على الآخرين، ويؤكد لها أنها أسمى منهم وأقوى!

وتلك الأخلاق ليست تسامياً أبداً فهي كلها تزيد من مرجعيتها الذاتية وتمركزها النرجسي حول ذاتها. ولعل عناوين كتابات التنمية البشرية تعكس هذا الأمر (قوة التسامح، قوة الثقة بالنفس... إلخ) التي ترى في القيم مجرد وسائل للقوة فحسب!

وأكبر دليل على ذلك أنها أبداً لا تطلب العفو من الرجل! فلأنها قوية فهي لا تحتاج لمغفرته، ومهما تسببت في إيذاء الرجل فهي لا تطلب مسامحته ولا مغفرته أبداً ونادرا -إن لم يكن مستحيلاً- عليها أن تعتذر، فهي تأخذ ما تريد دون أن تنتظر الآخرين أن يتفضلوا به عليها، وهي تعتمد على نفسها ولا ترغب في أن تحتاج للرجل، فهي تنتصر على نفسها وعلى أفعالها وتوجهها؛ كي تكون متحكمة تماماً في كل حياتها، بما فيها مشاعرها!

وبحسب أنها إنسان أعلى -حسب تعبير نيتشه- فهي لم تُخلق لتعيش في سلام وراحة وطمأنينة، فواجبها هو تحقيق كافة إمكاناتها، وأن ترتقي دونما شفقة على نفسها، ودونما رحمة بالآخرين، خاصة إن كانوا رجالاً!

وهي أشبه بملكات النحل، التي يقوم على خدمتها الضعفاء والعبيد ممن هم أقل منها، التي تستغلهم وتوظفهم لصالحها. وعادة ما تمنح نفسها لقباً يمجد في ذاتها!

ولأنها كالنحلة، فإنها تتزوج كالنحلة، فهي تحلق عالياً بعد أن تغوي كافة الدبابير لتطير خلفها حتى تهلك جميعها، ولا يتبقى إلا أقواها، الذي ما إن يُلقحها حتى تلدغه فتقتله!

فهي دائماً تبحث عن الأقوى والأذكى والأفضل من بين الرجال، حتى إذا ما حصلت عليه لن يُكفيها أو يُغنيها، وسيكون مصيره الهلاك!

أما المستوى الثالث فهو الاستقواء في سلوكها وتعاملاتها، وذلك كي تتمكن من تحمُّل مسؤولية حياتها، وذلك لا ضرر فيه ولا ضرار، فهي تحافظ على نفسها من الرجال الذين في قلوبهم مرض، فلا تخضع بالقول، وتحافظ على المسافات والحدود كما طالبهن القرآن بذلك.

بل إن الرجل كثيراً ما يبدي إعجابه بذلك النوع من النساء، واصفاً إياها بأنها "بنت جدعة"، ولن تعاني تلك المرأة من أي مشاعر كراهية ولا رغبة في الصراع مع الرجل، فهي تنظر له بوصفه الأخ والأب والصديق والرفيق، وأن النساء شقائق الرجال، وأنهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وغالباً ما ستجد تلك المرأة برغم نجاحها واستقلالها خارج المنزل إلا أنها تؤدي واجباتها المنزلية، وتراعي أسرتها على أكمل وجه، ورغبتها في الزواج لا تقف عائقاً أمام طموحها، كما أن طموحها لا يقف عائقاً أمام رغبتها في الزواج.

ونحن نرى أن المرأة ليست ضعيفة ولا تحتاج أن تتحول إلى مسخ كفرانكشتاين، وعليها أن تتخلى عن تماهيها مع الرجل ومحاولة استنساخه، وألا تنزلق إلى مستويات تضطرها إلى فقدان أنوثتها من أجل أن تحصل على مزايا القوة المزعومة، كما يحاول البعض إيهامها من أجل أن يحررها، بغرض استغلالها لا بغرض تحريرها حقاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.