المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جلال الصاوي Headshot

مرتزقة فى السلطة

تم النشر: تم التحديث:

لماذا لا يقوم المُستبد بعمل إنجاز حقيقي؟ ولماذا لا يساهم فى تنمية المجتمع الذى يحكمه؟

إن ذلك التصرف هو أمر بدهي جدًّا لأي مُستبد يرغب أن يستمر فى السلطة، خاصة إذا حكم شعبًا "لقمة العيش" عنده أهم شىء! وأغلب شعوب المنطقة العربية للأسف لا تهتم الا بقوت يومها وذلك أمر طبيعي نظرًا لتدنى مستوى المعيشة وللتراجع الذي أصاب الأمه على مختلف الأصعدة منذ ما يقرب من مائتي عام.

لماذا إذن لا يلجأ المُستبد لإطالة بقائه فى السلطة، بأن يجني حب الناس وبأن يكتب اسمه فى التاريخ على الأقل كمُستبد عادل بدلًا من مُستبد ظالم؟!

هنا لن نجد تفسيرًا حقيقيًّا إلا خيانة الوطن! وذلك ليس خطابًا دعائيًّا ولا عاطفيًّا فلا عاطفة فى السياسية.

إنما هو التفسير الوحيد المقبول

وفيما مضى كانت خيانة الوطن فردية الطابع عن طريق تجنيد جاسوس يعمل ضد وطنه من أجل المال والثراء الفاحش.

أما الآن فأصبح التجنيد يشمل طبقة كاملة من أبناء الشعب! وإن ظلت الغاية واحدة فى النهاية لا تتغير متربعة على العرش "مزيدًا من الأموال والثراء السريع"

طبقة يتم عزلها عن المجتمع ويتم تغريبها تمامًا، وتتبنى قيمًا مخالفة للمجتمع وثقافته، وتمنح امتيازات مادية ومعنوية تجعلهم يشعرون بمكانتهم الفوقية، تلك الامتيازات التى تبنى جدارًا عازلًا بينهم وبين أبناء الشعب من الطبقات الأخرى المتوسطة والفقيرة والمُعدمة.

ومما يزيد أعضاء النخب السياسية والاقتصادية ارتباطًا بالنظام العالمي ويقلص اكتراثها بدولتها القومية كما يري المسيري-رحمه الله- أن هذه النخب فاسدة، فهى تحقق ثرائها ومستواها المعيشي المرتفع لا من خلال الاستثمار فى أرض الوطن عبر الاستغلال والسخرة، كما كانت تفعل النخب القديمة المُستغلة أيضًا، وإنما من خلال تدمير البنية التحتية البشرية والطبيعية لهذا الوطن، فالوطن لم يعد المصدر المباشر لفائض القيمة، ومن ثم يمكننا أن نقول إن الفرق بين خيانة النخب القديمة والجديدة للوطن، كالفرق بين النظام العالمى القديم والجديد، فخيانة الأولى خيانة طبقية فيما خيانة الثانية خيانة قومية، وقد أدرك النظام العالمى الجديد أن المواجهة العسكرية مع دول العالم الثالث أصبحت مكلفة وتكاد تكون مستحيلة، فى حين أنه من الممكن الحصول على نفس المكاسب تقريبًا عن طريق وكلاء محليين يشكلون طابورًا خامسًا فى بنية الدولة نفسها وجهازها الحكومى!

لذا فقد تقرر اللجوء إلى تفكيك المجتمعات المقاومة بدلًا من مواجهتها بشكل مباشر عبر الإغواء بدلًا من القمع، ذلك الإغواء الذى يتم بالرشاوى والعمولات وصفقات السلاح والتوكيلات التجارية التى تحقق أرباحًا خيالية، والتى تتراوح بين السرية والعلنية كمثل تلك المساعدات التى قدمت للعراق إبان حربها مع إيران والتي كان الهدف منها ليس كسب الحرب إنما التأكد من عدم خسارتها! وبعد الحرب، وقع الرئيس بوش -الأب- قرارًا توجيهيًّا للأمن القومى برقم (26) لإعطاء العراق حوافز اقتصادية وسياسية بلغت ملايين الدولارات من أجل لإعادة الإعمار وبناء الاقتصاد العراقى خاصة فى قطاع الطاقة، وذلك قبل أن يعتبر بوش -الابن- صدام حسين ممثلًا عن محور الشر ويرى ضرورة التخلص منه! حتى يتم إعادة الإعمار مجددًا!

فببساطة السيناريو هو كالتالي: طاغية مستبد فاسد يتم تمكينه من السلطة - غالبا بانقلاب عسكري- يساهم فى تفكيك المجتمع وإفشال الدولة وإغراقها فى المديونية عبر صدمات متتالية (ربما سنفصلها فى مقال لاحق) ثم سرعان ما يصبح ورقة محروقة بعد أن كان كنزا استراتيجيًّا وهنا لا بد من التخلص منه واستبداله، وفى خلال كل ذلك يجرى الهدم وإعادة الإعمار ثم الهدم فإعادة الإعمار وهكذا دواليك!

وفى محاضرة له بمعهد الدراسات الاستراتيجية بكلية الحرب بالجيش الأمريكي عبر "ماكس مانوارينغ" -الباحث فى الاستراتيجية العسكرية- عن فكرة تفكيك المجتمعات وإخضاعها عن طريق إفشال الدولة فيما أسماه الحروب من الجيل الرابع، فإكراه الدول على الخضوع كانت فيما مضى تتم بالقوة وتحت ستار الأمم المتحدة والمعاهدات واتفاقيات السلام والشراكة، وكانت الحروب تتخذ الشكل النظامي بين دول وجيوش نظامية.

أما حروب الجيل الرابع فليس الهدف منها هو تحطيم مؤسسة عسكرية ولا القضاء على قدرة أمة على شن هجمات عسكرية خارج حدودها، إنما الهدف هو الإنهاك والتآكل ببطء مع بقاء الدولة قائمة ولكنها فاشلة فسقوط الدولة يعنى تكلفة مرتفعة جدًّا، فالهدف النهائي هو الحصول على النفوذ فى هذه الدولة وذلك كي ترغم العدو على تحقيق إرادتك وتنفيذها.

والقاسم المشترك فى كل هذا هو زعزعة الاستقرار والذى من الممكن أن يأخذ أشكالًا عدة منها مثلًا عدم إخضاع جزء من الدولة لسيادتها المطلقة، فإن لم تتحكم الدولة في كامل أراضيها، يصبح الجزء غير الخاضع لها هو إقليم غير محكوم، فمن الذى سيتحكم فيه سوى مجموعات غير تابعة للدولة، عنيفة ومسلحة، وبهذا أصبحت الدولة فاشلة. وهنا يمكن لمن يرغب فى النفوذ أن يتدخل ليتحكم فيها ويستغل تلك الأزمة لصالحه.

وتلك هى استراتيجية unstable controlled فالمحافظة على جسد الدولة يجعل الناس مطمئنة تنام كل ليلة تحت وهم أن الدولة مستقرة، فى حين أن الدولة تتفكك وتغرق فى المديونية وتفشل يومًا بعد يوم دون أن يشعر أحد، حتى تصحو تلك الشعوب ذات يوم وتجد نفسها ميتة!

فعندما يتعرض إقليم دولة ما لهجمات مسلحة ثم يصرح رئيس تلك الدولة الذى أتى بانقلاب عسكري دموي أن القوات النظامية الموجودة فى تلك المنطقة تمثل 1% فقط! وتتحول تلك المنطقة بعد عمليات التهجير والعزل إلى منطقة فراغ أمنى! فى حين يصور إعلام هذا الرئيس أنه يحافظ على أمن البلاد واستقرارها!

فلا يمكن اعتبار ذلك الرئيس ومن حوله إلا منفذين لما عبر عنه "ماكس مانوارينغ" فى محاضرته، فهم يقودون حربًا بالوكالة من الجيل الرابع ضد شعبهم، لذلك هم ليسوا إلا مرتزقة فى السُلطة.

والله أعلم،،،