المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جعفر فياض فوارس Headshot

دَمعَةُ رأس السَّنَة!

تم النشر: تم التحديث:

دَوماً ما يرتبطُ لفظ "رأس السَّنة" بالحَفلات والصَّخب والأفراح، نَتشارَك فيهِ الفَرح ككُل شُعوب الأرض، وإن كان فَرحنا لم يَبلُغ عنانَ الرأس؛ إذ حُصر بارتباط رأسِ السنة بالعُطلَة، فيترنّح تفكيرنا بينَ ما سنجنيهِ مِن عملِ يومٍ إضافي، أو فُرصَة لإنهاء واجِباتٍ مَنزليّة مُكَدّسة، أو فليكن يوم استرخاءٍ جاءَ في وقته لنُريحَ أجسادَنا المُتعبَة.

في مثل هذا اليوم مِن كُل سنة تَنتَظر كل شُعوب الأرض إشراقَ ليله كإشارة بَدء، مُنطلقة بذات القدر من اللهفة، مُترفة رافلة بالرّخاء، أو معدمة مسربلة بالنّكبات والنكسات والآلام، فيجمع ذات الوقت أُمّاً جهزت أبناءها بأحلى الملابس للاحتفال، وأخرى قُدّر لها أن تكونَ أحد أعمدة الشعبِ المُعدَم، فتنتَظر أن تَدُقّ الساعَة منتَصف الليل؛ لأنّها اللحظَة اليوميّة التي يسرِقُ طول الانتظار فيها صَبر أطفالها فَينامون قبل وصولِ العشاء الذي لَن يأتي أبداً.

لا تُصدّق مَن قالَ: "احتفالات رأس السَنة لَهم فقط"، فقَد أبدَعت أرضنا في عرضِ فُنون الاحتفال، فما الذي تَعنيهِ ألعاب ناريّة صَعدَت مِن الأرض للسماء فتفرقعت، أمامَ مَن يُلقي براميل مُتفجرة تخسف حتى سابِع أرض؟! وما صَدى صوتُ العَد التنازلي للحظَة انتهاء السَنة إذا ما قورنَ بِصمتِ أُم دَفنَت رأس ابنتها في صدرها وقد تَجمدّت وهي تُطالِعُ مَسارَ الصاروخ نحوها مُستَغفِرة، تَراهُم يتفاخرون بأضواء خافِتَة تُضاء فَجأة، وقَد شَهدت أرضنا المحرومَة من الكَهرباء أياماً حالِكَة السواد، حتى أضاءَت القَنابِل الفسفوريّة سَماءَها بالضّوء!

إنّما نَحنُ أيام، نودّع ما فات بالحُزن ونَستَقبِل القادِم بالأمَل؛ لذا كانَ فَصلُ الشِتاء أرض المُناسَبة المُمَهّدَة وعُنوان السنَة الجديدَة المُذيّل بنَقيضي الخير الذي يَحمِله الشتاء والمَرضُ الذي سيُصيبُ الفَرحينَ تَحتَ قَطراتِه، وكما نزيح الثلج العالق أمام أبواب بيوتنا لنصنع منه رجلاً ثلجياً، فإنّنا نستطيع أن نضع السنة في مُغلّفٍ مُزيّن وفي جوفه رسالة مُزركَشَة بألوانِ الاختِلاف في الغايَة والوسيلَة والفِكر، فتجدها في أول السطر تحاكي طابع الهيمنة الرأسمالية في مِضمار التجارَة ومُسابقة الإعلانات والعُروض، ويليها على صَعيدِ الدول التي تُنظّم أمورها على أساس الميزانيّات السنويّة، فتراها تَقيس عامها بالأرقام والحسابات والرسوم البيانيّة والتوضيحيّة، وتضع توقّعاتها للعام المقبل، وإن كانَت دُولنا تَستَغِلُ خَفاءَ الليل وغفوة الكاد وسهوة الجَفن المُرهق، وتَزدادُ عَنّا تَستراً خلف شاشَة إعلامنا الرسمي التي تُسابق غيرها في استضافَة المُنجّمين، وعَرض توقّعاتِهم النّاضحة بالرّخاء والرفاه للوطن والرعيّة -رغمَ أنّها لَم تُصِب قَط- لتَتوارى بها الحُكومة عَن العُيون فتحسب مقدار العَجز في الميزانيّة السابقة مُستغلّة نَشوَة الفرح ليُشكَر الحاكِمُ وتُفرضَ الضَرائِب.

وعَلى السطر الأول مِن هامِش الرسالة كُتب بخفاء: "الإنسان آخر ما نملك وأول ما نبيع"، والتزاماً بقوانين الحرية الدولية سُمح بالنّشر اختلاف النّاس في رأس السنة بين متفرّد بالتَقوى الخالِصَة -كما يرونها- فيختمونَ السَنة بسجدَة تَمتَدُ لتكونَ ابتداءَةً مُباركَة لموسِمٍ جَديد، فيما يحلو لآخر أن يجمَع بينَهما بِكأسٍ جُرعته رشفتين، تتذيّل كل منها بتاريخ سنة، وأخرى ترى فيها وجَعَ التَقدّم في السِنّ وآخَرُ يجدُ حَلاوَة الحِكمَة التي بدأت تَتَسَرّب إلى عَقله، فيما يَحسِبُها آخَرُ بعدَدِ أفراد أسرته بعد أن ازدادوا واحِداً، وتَدمَعُ عين آخر بقي وحيداً في العد، أما غالبيّة الشَعب فيتفاعلون كعود كبريتِ أُشعلِ لحظَةً يتبادلون فيها رسائِل التَهنِئَة وأمنيات الفرح والسعادة، ثُمّ يختفون حتّى قضيّةٍ أخرى تستحق التفاعل.

لستُ بهذا الحَرف أنتعل فوقَ رأسي عمامَةً بيد سُلطان فأفتي بما يُناسب رأيه، ولا أن ألبس قناع علماني يؤمن أن الطبيعة تلدُ الأفراح بقدرٍ، فأطلُب ضَبط الفرح كي لا نعيش بقيّة العام بحُزن، ولن أحاول أن أظهر كَصوفي أهزُّ رأسي لأخرج عَلى الناسِ بأن لا أحد منهم يَستَحِق أن يفرَح سوى مَيت تُقرّبه تَقلّب الأعوام إلى الله، أو أنزِل إلى حَضيضِ التشدد فأشرع أبواب جهنّم وأغلق أبواب الجنّة، ولا حتّى أن أستنّ بسُنّة الدولَة فأقيّد الناس بالفرح والحُزن، لكنّني أجتهد أن أدوّن المفارقة في لحظة الفرح التي تُقدَّم فيها أشلاء الأطفال كَقطع حَلوى، وأن أرسُم بما أملِكُ من حرفٍ مَشهدَ فَرح الشياطين هُناك، بينما ملك الموت بينَنا لا يفرغ من أن يمسَحَ دمعَه، موقِناً بقدَرِ الله الذي خَلقَ الفَرح والأحزان، مُعتَقِلاً في عقلي فِكرَة أن القادِمَ أجمَل.

وكُل عامٍ والفَرحَةُ خالِصَة من شوائِب الأحزان، والسَّلام.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.