المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جعفر فياض فوارس Headshot

إن كنت من هواة الكتابة فلا أنصحك بقراءة هذه المادة

تم النشر: تم التحديث:

حينَ أمسَكتُ قَلمي لأكتُب، فَكّرتُ كما يَفعلُ الكَثير أن أتربّع عَلى عَرشِ الإفراطِ في الثقة، وأستخدِم عَصا الفَلسَفة، أضرِب بها صَفاء النفوس لتُكَدّر، وأعبَث في غيمات الأحلام لتهبِط من دونِ غيثٍ، فأتربّع في سماء الكُتّاب قمراً منيراً، بعد أن أقتنِص باب التدوين، فأدخُل مُنتَقِداً كُلّ مَن سَبقني، ثُمّ أستسخِفَ تَقليدَ كُلّ مَن تَبعني، وأختم نِهايَة كُل تَدوينَة "الحَرفُ لي، وأنا أجزي بِه".

لكنّني سأخونُ كُل الأفكار السابقة، أبدأ في انتقادِ نَفسي بتدوينةٍ يختصرها العنوان، فأكتب موقناً فيها أنّ الحَرفَ لله يَهبهُ لِمَن يَشاء، ويَتشَكَلُ كَلماتٍ وجُمَل بما شاء كَيفَما شاء لمن شاء.

ليسَ بالضَرورة أن تكونَ كاتِباً حَتّى تَتجرأ على الكِتابة، إنّ الكُتّابَ العُظماء لم يولدوا كذلك، إنّما تَعلّموا الحُروفَ بالتَهجِئة، سَقطَ القَلمُ من بينِ أيديهِم في مُحاولَة الوصول للعناقِ المثالي بينَ الإبهامِ والشاهِد عَلى وسط القَلم، خانَهم التركيز حيناً على أن يضبطوا أفقيّة الخط علاوة على أن يضبطوا معناه ومقصوده، وقبل ذلك كُلّه كانوا يجهلون معنى لفظ القلم واستخدامه، ومُسمى الورق والحبر ومدلولاته.

الكتابة في حد ذاتها مرض يُفضي إلى ألم، يحتاجُ إلى دواء، فتصنَع من ذاتها جُرعتك، فتكتُب أنت لتَشفى بها منها، هي الأستاذُ الذي يُعلمنا ذاته، حينَ تتوقّف مدارسنا الابتدائيّة عند حُروف اللغة تشكيلاً وتهجئة؛ إذ إن ممارسة الكتابة هي السرّ الخفي خلف جمال الحروف المتراصّة.

جَرّب أن تَكتُب، حينها ستوجِد في داخلك رئةً ثالثةً تُبقيك على قيد الجمال إذا ما اختنقتْ مجاري النّفس، لكن إيّاك أن تبخَل على روحك من أن تتنَفس، فالحَرف يُتقِن الصُراخ الذي في جوفِك فترتاح، ويُحسن مهنة الطِب فيُطبّب جرحك على شكل جملةٍ تنتشي روح قارئها فيتلفّظ بعمقِ صوفي "الله.. الله"؛ لأنّها صِنعَة الله تشكّلت في أحشائِك، كالمرآة لا تُحابيك أو تتصنّع لك، إنّها تُريك خفايا ذاتك بصدق.

فالكتابة نداءٌ يليقُ أن يُسافَر به عبر الزمن متذكراً اللحظة الأولى التي أحاطت فيها يدُ أمك يمينك، فتشكلت نقطة البدء مع زاوية القلم على سطر الحياةِ الأول لتنطلق بها إلى فضاءات الله.

إنّ الخطوَة الأولى في طريقِ الكتابة أن تَتجرّدَ من الغرض إلى أن تكتُب، دع الحروف تطفو على سطح الورقة وحدها ثم اسكُب روابط الجمال بينها لتتشكل، تَفرّد مع حُروفكَ في مِحرابِ الحُب، واهمِس إليها مُناجيَاً بالصدق، أشعرها بالأمان فيطلق الحرف العنانَ بذاته، ثم بعد ذلك استسلِم له، دَعه يأسرك -وما هو بآسِر- رغم أنّه يُترجِم ذاتَك الخفيّة على وجهِ الورقة، فقط اتكَئ على قوسِ الطاء، صادِق إخوانه من الحروف، اسبح في عُمقِه، سافِر عبر زمنه، اختَبئ خلف مُراده حتى تلاشَى، "ثُمّ لتختفي في فَضاء قول ربي"، كَما عَلّمه الله، وإلا لغدا الحرف حبلَ مِشنقة يحيط رقبتك، بعد أن كانَ ملك يديك، يطوّع لكَ كُل الجُمَل لترى.

ثُمّ إيّاكَ أن تبيعَ حَرفَك، أو أن تبخَس كرامته في مزادِ التجار، أو أن ترتاع على فِكرةٍ لتجني المال أو الشهرة، فيغرقكَ الحبر وقد خُلِق كي يروي عطشَك.

اعتقِل فكرتك حَدّ الإيمان بها كي تتحرّر حِرفيّة النّص من مخبئها، وتظهر تجلّيات المقروء دونَ عناء.
أتعجب ممن يسأل متنفساً بالحرفِ لِمَ تكتب؟ وكان أجدَر أن يسأل الناس لمَ لا تكتبون؟

ألم تلحَظ عينه يوماً قُبّة السماء وقد خطّ شهابها خطّاً مستقيماً، فكتبت النجومُ حولَه جُملَةً تامّة يقفُ في آخرها القمر بهيّاً بعد أن كتبَ سطراً كامِلاً في مداره مِن المحاق إلى البدر؟ ألم يجتهد في أن يستكشف لوحة الأرض، فيحلّل خط النملة المرسوم على صفحة الصحراء، أو أثرَ أفعى ملتوياً على نفس المسار، أو حتّى رسالة نحلة خطتها على بتلات الورد المتفتحة فلونتها فراشَة، لو انطقتَها لنطقت حكايات؟

ألم يَشعُر يوماً بالغيرةِ من قَلم الشجرة الذي يختَصر الحياةَ بورقتين، واحدة مُخضرّة عزيزة في أعلاها، وأخرى اصفرّت فسقطت ليتلاعب فيها الريح؟!

على سبيل المُراوغَة أقول اكتُب كي تستبدلِ سراجاً من نور بنار الغضب الكامن في جوفك، وأن تنقُل المعركة من داخلك إلى خارجك فتغدو في سلمٍ وأمن.

اكتب كيما تتلون عتمةُ الليل بدمعة عابدٍ، فيغدو صباحه عصيّاً على الحُزن، اكتب كي تستنطق الصمت، تُثري المجهول بالمعارف، تتفرّد في رؤية الرؤى دون نوم، فيتساقط القبح مع آخر قطراتِ اليأس، فتوقّع بالمداد حروف الأمل وتبدأ بالعمل.

ختاماً: يكفيك نقلاً عن أحدهم، جرّب أن تتعلّم الكتابة بالكتابة، وأن تتيح للهمّ أن يتنفّس عبر مجرى القلم، أو أن تَتشكّل الأفراح حُروفاً تُسعِد كل قارئ.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.