المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جعفر الوردي Headshot

إليكم أيها الصّاعدون

تم النشر: تم التحديث:

كأيِّ شخصٍ يبدأ بصنع كلماتٍ على ورشة الدفتر، بمعول القلم والريشة، كلّما مرَّ عليه قومٌ سخروا منه، فما عليه إلا أن يقول لهم: إن تسخروا منّا فإنا نسخر منكم كما تسخرون..!!

تمامًا هي القصة بهذا الشّكل..
عندما يبدأ الشّاب أو الفتاة بتعلّم صنعة الكتابة وامتهان حرفتها، يجد مَن يقول له: مَن أنت ؟! مَاذا ستأتي بجديدٍ ؟! وماذا يوجد لديك لتقدّمه ؟! إلى غيرها من عبارات التّثبيط والتّمويت، من بعض المزاريب الفاشلة في المجتمع ..!

عليك أن تدوس على هذه المزاريب، وتضع تحتها سلّة قمامةٍ، حتى تفرغ كل ما بجعبتها من أفكار سيئة وانتقادات فاشلة، وابتعد عنها حتى لا يصيبك رذاذها، فلا تمكّن المثبط من أذنيك فلعله يعلَق في قلبك شيءٌ من تثبيطه فتتهاون وتتعاجز..

بعد ذلك لن يكون منها إلا أن يجفَّ ماؤها الآسن وسيجيؤون إليك معجبين بما تكتب..!

نعم جاء أولئك الأشخاص مرحّبين ممجّدين كتاباتي مستشهدين بها.. إذن فلا تقف عندهم..

أولئك الذين يثبّطون طموحك ويريدون أن يشلّوا قلمك بالتسفيه والاستهزاء - اعلم أنّهم فاشلون لا يحبّون أن تكون أفضل منهم.!

لذلك هم حريصون على أن تكون فاشلاً مثلهم.. كي لا تتميّز عليهم.!

لا تتوقّف معهم ولا عندهم، وانسج خيوط الكلمات وأنشئ منها ثيابًا عديدةً، وحُللا مطرزة، حتى يلبس قراؤك منها، وسيكون لهؤلاء المثبطين نصيبًا من هذه الثياب ..!

العقل إما منطلق مغامر، أو جامد متحجر، أو حكيم يزن الأمور ويختار أسلمها موقفًا وأفضلها مصيرًا.

لعل أغلب من نعايشهم في عالمنا العربي، بفضل الممالك الديكتاتورية، والجمهوريات الأبدية، والزعماء الذين تؤكل منسأتهم وكراسيهم وأرجلهم ويبقون صامدين على العرش لا يهزهم ريح عاد ولا ثمود ولو كانت صرصرًا عاتيةً..!

هؤلاء المستبدون طبعوا الشعوب بأخلاقهم، وأكسبوهم من صفاتهم، فغدا لدينا شعب يحب التسفيه والتقليل، ويكره التميز والتطوير، فأنتجنا أولادًا من عقول مغلقة لا تتجاوز بطنها وفرجها.

وعيب ثم حرام أن يكون لك سهم من النهضة أو المعرفة، ويا ليتها كانت القاضية ولا تكون ممن يخالف طباع مجتمعك أو يسير بغير ما درس عليك آباؤك الأمجاد وبني جلدتك الأكارم..!

هذه المجتمعات بقيت معشعشة في عقول كثير من الأبناء، جيل يخاف من الجديد، يخشى التميز، يهاب الإشارة إليه، لأنه يعتقد أن بها حتفه، وهي نهاية أمره.

ستسمع أباك أو أمك يوما ما -أو قد تكون سمعت من قبل- يقولان لك: ما لنا ولهذا يا بُني، ركز في دراستك وعملك والله يغير ما يشاء..

هذا الكلام لا يوجد أب عربي أو أم إلا ولقّنت ابنها سُمّه، هو في ظاهره إيمان بالقضاء والقدر لكن في باطنه كفر بالله تعالى.!

كفر بالإبداع والتنشئة التي يريدها الله من الإنسان، إنسانٍ يبحث في كل ذرة عن الله والكون، لا عن الراتب والوظيفة، إنسانٍ يقلّب الكائنات وصورها ليكتشف ما خفي منها وما استتر، لا إنسان يقلب صفحات النت ليبحث عن فرصة عمل براتب أعلى، أو وضع أفضل..!

إن الحاكم المستبد، والأب المتحجر، والمجتمع المتعصب، كافرون بالإبداع والنهضة، مشركون بالتطور والعلو، كل همهم أن تكون على إثرهم تقتفي دربهم وتسير على سيرتهم الحسنة التي لا تتعدى علمك، بيتك، مسجدك، وغترتك وعقالك أيضًا..!

ومن أعجب ما هو عجيب، أننا مع اهتزاز عروش الطغاة، وتزلزل ملوك الإنس والجن، وغياب الفرد الواحد القاهر، نرى عقولًا لا تزال متحجرة، ومجتمعات لا تزال مصرةً على غيها بالتقليد والتحجر، وأنفسًا تخاف من اقتحام الحياة ببسالة وحيوية.

أحبتي الصاعدين، دعوا عنكم عقولًا غابرة، باسم الدين تبرر فشلها، وبقول النبي تعضد كسلها، وبما تواتر عن الصالحين تزين خمولها، هؤلاء ليسوا إلا كسالى بحثوا عمرهم كله عن دليل واقعي أو ديني لإراحة ضمائرهم بأن الكسل واجب وأن الجبن سنة مؤكدة وأن الفشل مضمار الصامدين..!

إن في كتاب الله قرآنه، آيات تثور على العقول الكسولة، وأوصافًا تمجد الأفهام الوقادة، هذه التي ينبغي أن تتبع وأن يسلك السبيل إليها، وفي أقوال النبي المكرّم ما يقنع الأعمى والأصم بأن الذين لا يطورون من أنفسهم ويركنون إلى سوء أوضاعهم ويقفون عند حدٍّ وضعوه هم -فيه دليل على بطلان ذلك كله، بل وتمجيد وتقدس لأولئك الطامحون الصاعدون..

(إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلةً، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها، فليفعل).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.