المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جعفر الوردي Headshot

مذكرات شريد "2"| الروح

تم النشر: تم التحديث:

الروح يا شريد
الروح

تَسامِ تَسامِ
تسامِ أيها الروح البديعة
أيتها المعنى الغيبي
أيتها المجهول الحقيقي
والحاضر الغائب
والمشاهد معنىً

أيها الروح السائرة في بقاع الأرض
الطائرة من منفى لمنفى
كيف تمرين مرور النسيم من كل شيء؟
وكيف تملأين كل هذا الفراغ ولا يمتلأ بك؟
وكيف تسيرين بين أرجاء الأرض
وكأنه حبة حمصة بالنسبة إليك؟

كل قريب لك بعيد
وكل قديم حاضر
وكل آت آنٍ عندك
تستلهمين الآتي
وتذكرين الماضي البعيد كثيراً
كيف تعيشين معي وعني؟
وكيف أقدر أن أحس بك وأحس عنك؟

أيتها الروح العجيبة
هل حياة الجسد قيد لك
وموته انطلاقة كبرى؟
وكيف تحيين مع جسد كثيف أرضي
وأنت سماوية عالية؟
هل تتمنين كل يوم أن يذوب ويذوي هذا الجسد
كي تنطلقي في فضائك؟!

أيتها الروح الغيبية
كيف ترين الأشياء وتشاهدين الوقائع؟
وكيف تتذكرين كل هذا الكم الكبير من الزمان البعيد؟
هل لك عقل وذاكرة وقلب؟
هل تشعرين كما الجسد؟
ما العلاقة بينك وبينك الجسد؟
هل صحبة ضرورية
والتزام مفروض بينكما؟
وهل أنت لي أنا
أم أنت شيء
وأنا شيء آخر؟
كيف أفرق بيني وبينك؟
وهل إذا جنيتُ أجني عليك أيضاً؟
هل تتألمين إذا تألمت؟
وتبكين إذا بكيت؟
وتسافرين إذا سافرت؟
كيف أكشف كنهك؟
وكيف أتعلم دروساً عنك؟

أيتها الروح العجيبة
لا شك أنك غيب مجهول
وشيء خارج المعقول
أمر ليس بالمحسوس

هل منك حميد وقبيح
ومنك خيّر وشرير؟
كيف تعيشين بعد موتي؟
وهل تموتين مثلي؟
وهل تصاحبينني في قبري ووحدتي
أم تذهبين إلى مكان خاص بك؟
أين أنت الآن؟
وكيف أشعر بك؟
هل شهيقي وزفيري هو أنت
أم شيء يدل عليك
أم لا علاقة لك بكل ذلك؟
سلاماً أيتها الروح العظيمة

ولكن يا شريد
أقول لك:

كيف ندرك كل هذا الغموض؟
وكيف نصل إلى كل هذا المجهول؟
ومن يساعدنا؟
وهل يحق لنا أن نسأل؟
وهل يصح أن نفكر
أم نعيش كالبلهاء
وننشغل عن كل هذه الفلسفة
ونعيش عيشة العجائز؟

كيف نستطيع أن نفهم كل هذه الأسرار المكنونة
وكل هذه المعجزات الهائلة؟
من يجيبنا؟
وهل نكون مخطئين إذا لم ندركها ونعرفها
أم نكون مخطئين إذا غفلنا عنها؟
من يجيب عن تساؤلات غموضنا؟

من يفسر لنا كل هذا الكون العظيم؟
كيف خُلق؟
ومن خلقه؟
ومتى خُلق؟
وكيف سينتهي؟
ومتى سينتهي؟
ومن سينهيه؟
وإلى أين سيصير؟
ومن هناك في العالم الآتي؟
ومن كان في العوالم الماضية؟
ومن هنا الآن في عالمنا الحالي؟
وكم هي العوالم؟
هل كل هذه السموات والأرضون فيها عوالم مثلنا
أم عالمنا هو حارتي وجاري والدكانة بجانب بيتي؟!

كيف نفكر؟
وكيف نفسر؟
وكيف ندبر؟
أنت أيها الخالق العظيم
دلَّنا على كل هذا
وأبصِرنا بكل ذلك
واحلُل عنا كل هذا اللبس
وأزِل عنا كل ذلك الشك
واهدنا إلى ما تريده منا
ألست أنت الذي خلقتنا لما تريده أنت منا؟
لم نملك خيار وجودنا
ولا نملك خيار فنائنا
ولا نملك خيار حاضرنا ولا ماضينا
أنت أوجدتنا من لا شيء
وتصيّرنا إلى لا شيء
وتريد منا كل شيء

أنت وضعت القوانين
وهديت السُّنن والتراتيب
وأقمت الأنظمة والنواميس
كل ذلك لسبب أنت تدريه
ولغرض أنت أعلم به
لا نعلم إلا أقل القليل عنك
وقمة معرفتنا بك هي حقيقة الجهل بك
وكلما ازددنا معرفة وعلماً بك
ازدادت شدة جهلنا وغموضنا
ووصلنا إلى أبعد من نقطة الصفر
لأنك أعظم من أن تدرَك
وأقدس من أن يُحاط بك
وأكبر من أن نفسر كُنهك
وأعلى من أن يُوصل إلى حقيقتك..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.