المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جاد يتيم Headshot

مُت رضيعاً... يا علي

تم النشر: تم التحديث:

منذ زمن لم نحقق الاجماع في هذه المنطقة، على ادانة جريمة قتل طفل.

فقد تحوّلت الى مشهدية عادية، تلك الابادة اليومية التي يمارسها نظام بشار الاسد في سوريا بحق المدنيين، حتى تحوّلت سوريا وحلب تحديدا - "عاصمة البراميل" - الى مقبرة للأطفال الذين استشهد منهم 1000 طفل بين 20 اكتوبر 2014 و20 يوليو 2015، نتيجة البراميل والغارات الجوية من قبل نظام الاسد، بحسب المرصد السوري لحقوق الانسان (الطفل بحسب تعريف الامم المتحدة هو كل من لم يتجاوز 18 عاما).

وتحوّلت الى مشهدية فايسبوكية نتداولها بدم بارد، جرائم قتل المتظاهرين السلميين في ميادين مصر، واليمن، والبحرين، والعراق، وقصف الاحياء المدنية في اليمن، ودفن الفلسطينيين أحياء في حروب الجيش الاسرائيلي على غزة.

صار الاطفال تجارة رابحة، يستغلهم تنظيم "داعش" لتنفيذ عمليات انتحارية ضد أعدائه، ويستغلهم "حزب الله" لإرسالهم الى الموت في حربه القذرة ضد شعب سوريا وثوارها. تربكك براءة وجوه هؤلاء بعدما نتعرف عليهم بعد موتهم عبر الصور، وتسأل من الضحية. وبسوريالية ما، تخفف بسماتهم الطفولية من رغبة الانتقام لديك!

وسط كل عاديات القتل في منطقتنا، سقطت علينا جريمة قتل الرضيع الفلسطيني علي الدوابشة حرقا، وهو الذي لم يتعدَّ السنة والنصف من عمره، بينما يرقد باقي أفراد عائلته بين الحياة والموت في المستشفيات.

طبعا، الادانات و"الحراك" على السوشيال ميديا في أوجه، لكن بعد أيام سينضم علي الى قافلة شهداء منطقتنا الذين تحولوا الى ارقام في ثقوب ذاكرتنا السوداء.

بعد أيام، ستدرك يا علي أن موتك كان أفضل وأرقى ما حصلت عليه في فلسطين ومحيطها العربي.

لن يقدم جديدا تحويل الجريمة الى محكمة الجنايات الدولية، ولا تهديد فصائل فلسطينية بالانتقام والرد لأن ارتكاب القتل انتقاما باسمك سيعني خسارة التعاطف والتضامن الدولي المتعاطف معك حاليا.

يا علي، ستبقى تلك المجموعة اليهودية المعادية للسامية، حرة طليقة تحرق المزيد من الاطفال وشجر الزيتون في الضفة، وستُضم جريمة قتلك، كما جريمة قتل الطفل محمد ابو خضير في تموز/ يوليو 2014، بعد خطفه وتعذيبه واحراقه، الى 90% من نحو 11 ألف جريمة كراهية ارهابية مماثلة ارتكبتها مجموعات "داعشية" يهودية ضد المدنيين الفلسطينيين منذ 2004، وحفظتها سلطات الاحتلال الاسرائيلي من دون اي محاسبة.

يا علي، لو كبرت لكنت وجدت ان مساحة الضفة الغربية قد تقلصت بأهلها، وضاقت بلقمة عيشك وأحلامك. عندها، بالتأكيد لن يكون امامك ترف السفر الى اي دولة عربية لأن هذا السجن العربي الكبير - وإن بقي على حاله - ستجده قد ضاق بعنادك ونضالك ورغبتك بالحياة.

يا علي، لو كبرت لكنا سنقتلك قهرا وذلاً، ولتاجرنا بك حتى الرمق الاخير للأنظمة الديكتاتورية التي لطالما امتهنت بيع فلسطين لشعوبها لتشتري منهم الولاء.

يا علي، لو كبرت وأردت ان تكسر الحصار من حولك، ربما يبتلعك البحر كأخوتك السوريين والليبيين والفلسطينيين وهم في طريقهم الى منافٍ جديدة. وربما كنت لتريد عيشا بسيطا هانئا بدون سياسة او نضال او طموحات، ومع ذلك قد تقتلك قذيفة اسرائيلة او غارة اسرائيلية، او معبر عربي أغلق بوجهك ومنعك من العلاج. وليس مستبعدا ان يقتلك ذلك الارهابي اليهودي المتطرف نفسه الذي فشل في قتلك صغيرا.

مُت رضيعاً يا علي، علّك تستر عيوبنا وعجزنا وتسليمنا باستباحة دمنا من عدو احتل ارضنا وأنظمة احتلت ما تبقى من فسحة عيشنا.

مُت رضيعاً يا علي، حتى لا تضطر للموت ألف مرة إذا ما كتبت لك الحياة عنوة.

مُت رضيعاً يا علي، عل كل هذه البلاد وناسها يبقون في ذهنك بأجمل صورة فلا تضطرنا الى اشهار سكاكين حقدنا العربي لقتلك.

مُت رضيعاً يا علي... فأنت يوسف، وكلنا أخوة البئر والذئب.