المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إياد سليمان Headshot

خير جليس في الزمان كتاب.. قصة جدي رضا مع السير الملحمية العربية

تم النشر: تم التحديث:

كان جدي لا يعرف القراءة والكتابة، تم تهجيره وعائلته وجميع أهل بلدته صفورية يوم 15 يوليو/تموز 1948. لم يجد جدي وقتاً مستقطعاً ليرتاح فيه من عناء الحياة، عمل بعد التهجير في البستنة لدى عائلة قضمان في أبطن، واضطر ولداه محمد وحسين إلى أن يعملا بالفاعل والعمل الشاق، يخرجون جميعاً في ساعات الفجر الباكر للعمل ويعودون في آخر النهار متعَبين ومرَهقين. سكنت العائلة في حي الروم بالناصرة لدى عائلة سلمان وكانت علاقتهم ممتازة مع الجميع، ولكن ظروف الحياة أجبرتهم بعد عدة سنوات على شراء قطعة أرض على أطراف مدينة الناصرة ليبنوا عليها مساكنهم، وانتقلوا إلى هنالك جميعاً جدي وأبي وعمي، وقد سكن جدي مع جدتي في غرفة صغيرة بين بيتَي عمي وأبي.

كان جدي قد تجاوز السبعين عندما بدأ يطلب مني ومن أخي أن نأتي إليه في ساعات بعد الظهر لنقرأ له من ملحمة عنترة بن شداد وتغريبة بني هلال. كنا نجلس لديه نقرأ له من الملحمة التي يرغب فيها، وكان جدي يتفاعل مع الأحداث ويصيح أو يغضب أو يضحك حسب ما يقتضيه تسلسل الأحداث. كانت تلك الملاحم تسحرنا وتجعلنا ندخل في عالم افتراضي جميل وساحر، كان جدي يَسمعنا بلا ملل، ويطلب منا أن نستمر في القراءة حتى يحل المساء، فيضطر إلى أن يتركنا لنعود إلى البيت.

ملحمة عنترة تتحدث عن بطولات عنترة التخيلية، وارتبطت سيرته بصراعه من أجل الحرية، وصراعه ضد عقدة اللون والنسب، فهو ابن الجارية الحبشية زبيبة التي سباها شداد في إحدى غزواته.. وصراعه من أجل الحفاظ على قبيلة عبس.

أما أشهر صراع خاضه عنترة، فهو صراعه من أجل الفوز بحبيبته عبلة، حيث يقف عائق اللون والنسب ليمنع عنترة من الزواج بعبلة، التي يرفض عمه مالك زواجه بها ويفضل عليه عمارة بن زياد، غريمه وعدوه اللدود. ويطلب والد عبلة من عنترة مهراً غالياً، وهو ألف من النوق العصافير من أرض الملك النعمان بالعراق -وهو مطلب مستحيل- وكان الهدف أن يتخلص منه. وبعد صراع طويل ومغامرات مضنية، يعود عنترة بالمهر، ليختلق عمه عراقيل أخرى، إلى أن تنتهى تلك المحاولات بالاعتراف بعنترة فارساً مغواراً بعد أن يدافع عن القبيلة ويعترف به أبوه ابناً له. وقد أثبت عنترة أحقيته بعبلة، ابنة عمه التي قال فيها أجمل القصائد وأرقّ المشاعر.

أما تغريبة بني هلال، فهي إحدى السير الشعبية العربية، وهي عبارة عن ملحمة طويلة تغطي مرحلة تاريخية كبيرة في حياة بني هلال المعروفة بهجرة بني هلال، وتمتد لتشمل تغريبة بني هلال وخروجهم إلى تونس. هي السيرة الأقرب إلى ذاكرة الناس، والأكثر رسوخاً في الذاكرة الجمعية، وتبلغ نحو مليون بيت شعر. وإن أضفى عليها الخيال الشعبي ثوباً فضفاضاً باعَد بين الأحداث وواقعها، وبالَغ في رسم الشخصيات.

في صغري، كنت أتفاعل مع التغريبة الهلالية، ولكنني عندما كبرت فهمت كيف تم تزوير التاريخ وكيف تحول بنو هلال إلى أبطال أسطوريين لا يمكن نقدهم. ولكن الحقيقة البشعة تقول: إن الفاطميين (العبيديين)، من أجل التخلص من الخطر الذي قد يأتي من تونس والمغرب العربي، قاموا بفتح المجال للهلاليين للتوسع غرباً، فقاموا بتخريب وتدمير الحرث والزرع وقضوا على كل معالم الحضارة والعمران، وبسببهم توقفت المساعدات والمدد الذي كان يصل إلى الأندلس ليمنع عنهم خطر الممالك الشمالية. بكلمات أخرى، الهلاليون أسهموا في سقوط الأندلس، بتدميرهم لكل ما يقف في طريق توسُّعهم غرباً.

علينا، كعرب، أن نعيد كتابة التاريخ من جديد؛ حتى لا نقع في أخطاء جسام تشوه تاريخنا وتفقدنا الثقة بكثير من الحقائق التي غيَّبها رواة ينقلون لنا أحداثاً مزورة على أنها تاريخ حقيقي وجزء من ثراثنا وهويتنا.

السيرة الهلالية، هي من أكثر القصص تشويهاً لتاريخنا، وكان لبني هلال دور هدام منَع مسيرة التطور التاريخي للعرب، بتخريب المغرب العربي، وكان أحد أسباب التدهور الحضاري للعرب والغرب أيضاً، بما أن الأندلس كان هو المصدر الأول لنهضة أوروبا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.