المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إياد سليمان Headshot

خير جليس في الزمان كتاب - الأمير حمزة البهلوان

تم النشر: تم التحديث:

عندما باع جارنا فايز بيته لعائلة الشموط، قام بالتخلص من كتبه القديمه وجمعها في كومة كبيرة لحرقها ولكن أولاد الحارة سبقوه وبدأوا بتقاسم الغنائم قبل التخلص منها وكل واحد منهم قرر أن يأخذ ما يناسبه، وكان نصيبي من تلك الكتب القديمة رواية "ألف ليلة وليلة" ورواية قديمة أخرى ممزقة عنوانها "سيرة الأمير حمزة البهلوان" وهي الجزء الأول، ورواية ثانية ممزقة أيضاً هي ملحمة "الأميرة ذات الهمة" وكان واضحاً أنها جزء صغير من تلك الملحمة.

لفت انتباهي قصة الأمير حمزة البهلوان، وأثارت فضولي فبدأتُ بقراءتها بشغف شديد، وكنت أستمتع بكل لحظة أقرأ صفحات هذا الكتاب، وعندما أنهيت قراءة الكتاب خلال يومين أحسست بخيبة أمل، لأنني لن أستطيع معرفة نهاية القصة، سألت أبي عن "ملحمة الأمير حمزة البهلوان"، فحدثني بأنه قرأها قبل زمن بعيد وأن الملحمة مكونة من أربعة أجزاء، وفهمت بهذا أنني وصلت إلى طريق مسدود، حتى التقيت أحد أبناء صفي فحدثته عن الملحمة وخيبة أملي فقال لي ضاحكاً، إنه يملك الجزء الثالث للرواية، وهي بحالة جيدة جدًّا، سألته إن كان مستعدًّا أن يعيرني الكتاب لأقرأه ثم أعيده إليه، لكن طه ضحك وقال: "أنا مستعد أن أبادلك الرواية بحفنة البنانير التي بحوزتك"، لم أفكر كثيراً وأعطيته كل ما كان معي مقابل هذا الكنز الثمين.

رغم أنني استمتعت كثيراً وأنا أقرأ الجزء الثالث، إلا أنني ازددت رغبة للحصول على الجزء الثاني والرابع، ولكن محاولاتي باءت بالفشل، واضطررت أن أقبل بالواقع الأليم، على أمل أن أتوصل إلى طريقة للحصول على الجزءين المفقودين.

مرت الأيام والسنون، ونسيت ملحمة الأمير حمزة البهلوان، وانشغلت بالحياة ومصاعبها، وبعد سنين طويلة من النسيان كنت أراجع بعض المراجع العلمية وكنتُ أبحث عن كتاب أحتاجه، ولكنني من غير قصد وقعت عينِي على كتب قديمة، فقررت أن أتصفحها لعلني أجد الكتاب الذي أبحث عنه وإذا بي أجد سيرة الأمير حمزة البهلوان، هنا عادت بي الذكريات إلى الوراء وحركني الحنين للذي مضى، فقررت أن أبحث في غوغل عن هذه الملحمة، وكان حظي جيداً؛ لأن هنالك أشخاصاً خيرين في العالم العربي، قرر أن يحيي الملحمة بطباعتها، ولكن المطبعة موجودة في بيروت، فكيف السبيل إليها؟

لي صديق يسافر كثيراً وله علاقات واسعة في العالم، وخاصة في الدول العربية، والذي فقدت آثاره منذ سنين طويلة. فتوجهت إليه طالباً منه أن يحصل لي على "سيرة الأمير حمزة البهلوان"، و"ملحمة الأميرة ذات الهمة"، ورواية "الشفاليه دي باردليان" بأجزائها الأربعة.

رتبنا أن نلتقي في عمان، كنت أظن أن الكتب التي سأحصل عليها سأضعها في كيس واحد وسأمر من الجمرك بدون مشاكل، ففي تلك الفترة شددت السلطات الإسرائيلية على نوعية الكتب المسموح بإدخالها إلى إسرائيل.
كانت عملية شراء الكتب كأنها عملية لشراء الممنوعات وأحسست بصعوبة الأمر عندما اكتشفت أن الكتب التي حصلت عليها بعد سنين طويلة ستملأ حقيبة السفر بكاملها.

في معبر الشيخ حسين تم وضع الحقيبة في جهاز الكشف ثم طلب مني أن أفتح الحقيبة لتفتيشها، عندما فتحتها سألني رجل الأمن عن نوعية الكتب التي وضعتها في الحقيبة، فقلت له بأنها روايات خيالية، قام بتصفح أحد الكتب ثم سمح لي بإغلاق حقيبة السفر من دون أسئلة أخرى، وعدت إلى البيت وفي جعبتي مجموعة من الكتب الثمينة.

"سيرة الأمير حمزة البهلوان"، هي سيرة شعبية، تُعد من أوائل السير العربية، بل وتعدت الحدود العربية إلى آداب أخرى، وترجع أهميتها لما تتضمنه من محاولة لتأريخ الإمبراطورية العربية وفق رؤية شعبية وأسلوب روائي شيق وجذاب. وقد حفظها العامة والرواة وذاع صيتها وانتشرت شفهياً، قبل أن توثق وتسجل في كتاب.

وفي السيرة تظهر قضية التصادم بين الفكر القومي العربي والفارسي، وهي تعكس رؤية شعبية لقضية مقيدّة في كتب التاريخ والأدب والفرق بين هذه الرؤية الشعبية والرؤية الرسمية التاريخية، هو أن السيرة الشعبية هذه إنما تعرض لصراع قيم وأخلاق.

فـ"حمزة" هنا فاتح عربي ينشر قيم الحق، ويقارع قيم الشر والطغيان، بينما كسرى رمز للحاكم القوي، إلا أنه غالباً ما كان يسقط في مهاوي الضلال والاستبداد، نتيجة وجود وزيره "بختك"، الذي يجسد شخصية البطل السلبي، ويعد ممثلاً لقيم الشر والفتنة، وهو على نقيض وزيره الآخر "بزرجمهر"، الذي يحمل قيم العدالة والإيمان ويساند الحق.

إن وجود شخصيات فارسية إيجابية أخرى كابنة كسرى، وفي المقابل وجود شخصيات عربية سلبية، كل ذلك ينفي البعد العرقي أو القومي للسيرة، ويؤكد على البعد الإنساني والحضاري. فالتصادم في السيرة، لم يكن بين العرب والفرس فحسب، بل امتد ليشمل شتى الأمم والأعراق البشرية، بل نراه يطال عوالم الجن والخوارق. ورغم كل الخصوصيات التي تميّزها، بدت كبناء فني يعبر عن أهداف سامية، كما تركن الرواية الشعبية في المتخيل الجمعي إلى قيم البطولة والشهامة والانتصار إلى الحق.

"سيرة الأمير حمزة البهلوان" شجعتني على متابعة قراءة السير الشعبية الأخرى كـ"تغريبة بني هلال"، و"سيف بن ذي يزن"، و"الظاهر بيبرس"، و"الشفاليه دي باردليان، أما سيرة الأميرة ذات الهمة فإنني فزعت من حجمها وضخامتها ولم أنتهِ حتى اليوم من قراءتها لأنها مكونة من 7 مجلدات ضخمة، وتتناول الصراع بين العرب والروم بالتفصيل الممل، لكنني في الجزء الرابع من هذه السلسلة سأتناول سيرة "الشفاليه دي باردليان" وكيف ساعدتني على التعرف على تاريخ فرنسا الدموي ومذبحة ليلة القديس "بارتولوميو" ودور البابا "وتوركيمادا" في نشر محاكم التفتيش في فرنسا وهولندا، بالإضافة إلى تواجدها منذ مئات السنين في إسبانيا.

وللحديث بقية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.