المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إياد عتوين Headshot

الوطن.. نعيم الهاربين ومقبرة الصامدين

تم النشر: تم التحديث:

الأوطان لا تُبنى إلا على جسور أعمدتها سواعد شبابها المدفونة في ثرى أرضها وعلى أنهار من دمائهم الطاهرة التي تروي زرعها الذابل تحت نار الخيانة من أبناء جلدتهم، أولئك الذين استهوت نفوسهم بيع أرض من ترابها، ونمت أجسادهم وفيها سيدفنون، ورغم ذلك فلم تكن ممنونة تلك الأرواح المشوهة لعطاء هذه الأرض الحنونة.

شواهد التاريخ كثيرة، والعدل هو الذي يقتص لكل مظلوم ويكشف كل ظالم، ومن تلك الشواهد التي كرست النظرية التي أؤمن بها "أن الوطن نعيم الهاربين ومقبرة الصامدين"؛
قصة ذلك الرجل الكويتي الذي صمد في وجه الجيش العراقي عندما هرب الجميع بمن فيهم الحاشية الملكية، وظل في موطنه يتجرع المرارة بين شمس الصحراء وجوعها وعطشها وبين أساليب الترهيب والترغيب من قبل الجيش العراقي آنذاك.

كانت المملكة العربية السعودية حاضنة الحاشية للمملكة الكويتية في وقتها، كانوا حينها هاربين في نظر العالم بينما آلاف المواطنين الكويتيين أبت أنفسهم أن يفارقوا أرضهم وإن كلفهم ذلك حياتهم أو حتى أرواح فلذات أكبادهم.

انتهت الحرب وعاد الهاربون، وفي المقابل فتحت الأرض أبوابها لمئات الصامدين ممن حرمهم الجيش العراقي العيش على ظهرها فاحتوتهم في جوفها، فكانوا أسعد حظًّا من أولئك الثلة الذين حرمهم الجيش الكويتي العيش عليها أو الموت والدفن في جوفها.

كتب روبرت فيسك معلقًا على هذه الحادثة: "وما كان أقل حجمًا من حيث المأساوية ولكن مُساويًا إلى حد ما من حيث الفضيحة محنة البدو الذين رفضوا الهرب يوم 2 آب/ أغسطس 1990 واختاروا قتال الغزاة العراقيين وأُخذوا أسرى حرب من قبل الجيش العراقي.

هؤلاء الآلاف من الشبان الذين لم يحملوا الجنسية الكويتية ومع ذلك قاتلوا في سبيل الإمارة. لكن الآن وبعدما أعيد معظم الضباط الكويتيين الذين فروا من مراكزهم، رفضت الكويت السماح لهؤلاء الجنود البدو المخلصين بالعودة من سجنهم العراقي! وهناك مئات عالقون بمعسكر اعتقال في العبدلي على الحدود الكويتية العراقية وقد تحرروا من السجون العراقية خلال الانتفاضة الشعبية لكنهم مع الأسف رُفضوا كذلك من قبل الدولة التي قاتلوا في سبيلها. إن الوطنيين الكويتيين الآن معتقلون من قبل الجنود الكويتيين الذين ولوا الأدبار عندما كانت بلادهم بحاجه إليهم".

حال الكثير من البلدان لا تختلف عن تلك الحالة التي سطر التاريخ شواهدها بكلمات أقوى من الفولاذ وأنصع من شعاع الشمس، لتكون شاهدًا لا يُخاف من كذبه أو القلق من دنو أجله. فالأرض يصون حبات رمالها شباب تمكنت ثمارها من تقوية أجسادهم وهذبت مياهها العذبة طباعهم ونقى هوائها نفوسهم، فهم يجودون بأرواحهم رخيصة فداءً لأوطانهم.

يدللون الموت ويسترضونه للدنو منهم في سبيل الأرض، ويسخرون من الخوف إن اعترض طريقهم.

يتربص الخائفون بنصرهم وما إن ظفروا بالنصر حتى كانوا هم أهل النصر وحاشيته فتراهم الأسرع نحو الغنيمة، تتجاوز أقدامهم الأرض المتعرجة فلا يمشون إلا على تلك الأرض المستوية حتى لا يصيبهم بعض مما أصاب هذه الأرض من ألم.

يشعرون بنعيم الأرض ويستلذون بها وبخيراتها، فإذا أصاب الأرض وجع العدو فروا كأنهم لم يلبثوا فيها ساعة فتعتريهم أغشية الجحود وتلبسهم أقمشة النكران.

حينها تبعث الأرض الطيبة خيراتها من شباب ارتوت دماؤهم من عشقها، فتراهم مقبلين غير مدبرين اختلطت أنفاسهم برائحة زهورها العبقة على الواحات المزروعة في الأرض المحررة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.