المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إياد عتوين Headshot

أبلغ العالم أننا نموت

تم النشر: تم التحديث:

كانت البراءة تخوض معركة الطُهر على وجهِه فتتولد عبرات تجتاز حدود مُقلتيه فتنسالُ على خديه صانعةً خطوطًا ذات تعرجاتٍ حاده تمامًا كالطريق التي وطئت أقدامهُ الحافية قسوة الطبيعةَ فيها، تنتهي تلك العبرات بقطرات سوداء مختلطة

بأتربة الدهر وحيرة الطفل الفاقد أمة فلقد أنهكهُ العطش وأعياه الجوع وأخذ منه التعب مأخذه فأخذ يتلفت في الجهات الأربع فيثير الشك في قلب من يراه فيبعث الخوف والشفقة في آن واحد.

أما الخوف فمن تلك البندقية العتيقة التي يحملها على كتفه الأيمن وأما الشفقة فمن منظره الرث وتأثير التعب في جسده الذي لم يعد قادراً على حمل سيقان اقدامه

كان الخوف هو الغالب في المشهد بينما الشفقة ترقص رقصة الديك المذبوح في صدري فهي بين سكرة الموت.
كانت أقدامي تحملني بخطوات ثقيلة متراجعًا للخلف، بينما عيناي ترصد حركتهُ الهزيلة محاولاً الوقوف بثبات قبل أن يسقط أرضًا كقطعة قماش هوت من حبل النشر.

بعيدًا عن كل حساباتي السابقه كانت أقدامي تحملني كالفرس العادية أملاً في التقاطه قبل ارتطامه بالأرض فلم تجدِ حركتي نفعًا بالإمساك به. أخذت أُقلب جسده، أجذبه بشدة، أصرخ في أذنيه لكنها لم تجدِ نفعًا، جررته إلى جذع شجرة أنهكها الزمن كغيرها من البيوت المحيطة والتي لا تختلف عن طفل في مقتبل العمر أخذ منه الدهر صفوة الحياة ونقاء الطفولة.

بضع قطرات من الماء هي حُلمه للبقاء وأمنيته في إكمال مشواره في غمار الحرب المقدسة في قاموس قريته البعيدة.

كانت قطرات الماء تنساب من يدي ويخلفها ألف سؤال وسؤال، أجوبتها في جعبة هذا الطفل المرثية حالته، ساعات قليلة كانت كفيله ليستعيد وعيه في رؤية ما يُحيط به ويحس بمن حوله، لكنها لن تكون كفيلة باستعادة وعيه المسلوب منذُ صِغره.

بدأت تنهال عليه في الأسئلة التي تطرأ على لساني دون انتقاء الكلمات أو رسمٍ للحواجز، فكان سؤالي ما اسمك ومن أين جئت وماذا أصابك؟؟ كانت نظراتهُ لي قاسية تحمل الاستغراب والخوف والعدوانية بنفس الوقت.

. كان رده مقتضبًا: "وش تجول" ؟؟؟
ابتسمت بلطف وعدلت من جلستي بعد أن أحسست أنه لم يرتد مدرسة مسبقًا، وذلك من عدم قدرته على فهم أسئلتي بِلُغة الكتب.

أعدت عليه الأسئلة نفسها بطريقته التي يفهمها، هو مع بقية صبيان القرية التي يسكنها، أخذ نفسًا عميقًا أحسست بنفاد الأكسيجين من حولي لعمق ذاك النفس، وكأنه تلذذ في استنشاقه للهواء. كانت الدموع أسبق من الكلمات وحشرجة الصوت أبعدها عن الفهم عندما يتحدث، كرر اسم أحدهم أكثر من مرة، وهو ينوح عليه بحرقة الأم الثكلى على ولدها.

أنا إبراهيم وهذه بندقية والدي، وكم تمنيت لو أورثني شيئًا غيرها؛ لكان حالي أفضل مما ترى، كذلك حال أمي وأختي هي الأخرى لم تسلم من هذه التركة.

لم يتركوا لنا الخيار! كان لا بد أن أختار بين الانضمام إلى قوافل المجاهدين أو أن يأخذوا أختي بدلاً عني.

ولكن عمن تتحدث ؟؟؟
كانت أمي تتنقل من قريه إلى أخرى هاربة بنا أنا وأختي حتى لا نقع بيد أولئك الذين يجندون أبناء القرية ليخوضوا بهم حروبهم الأهلية ورد الظلم ورفع المظلومية كما يدّعون، وسرعان ما يعودوا ولكن جثثًا هامدة.

. لا مفر فلقد وقعت أختي في أيديهم ونحن نحاول الفرار كعادتنا؛ مما اضطرني إلى تسليم نفسي والانضمام إلى صفوفهم بعد مرور شهرين من التدريب المكثف، أمرنا أحد القادة لا نعرف اسمه بالاستعداد ورفع الجاهزية؛ حيث إنه سيتم نقلنا إلى جبهة القتال (الجهاد) في منتصف الليل، كان الشهران كفيلان بأن أتعرف أحد المجندين؛ حيث أصبحنا كالأشقاء نأكل وجبةً معًا وندخر الأخرى، حيث إنهم لا يعطون للفرد أكثر من وجبة في اليوم الواحد.

أصبح هو عائلتي وأصبحت أنا أسرته. عشنا كمن يعيش بروح واحدة، بينما كان هناك من يقتطع أرضًا واسعة ليبني حولها سورًا عظيمًا ويهدينا منها عددًا من الأمتار لنُدفن فيها بعد عودتنا من المعركة على أكتاف أموات المستقبل وعديمي الحيلة حينها. تم نقلنا في منتصف الليل إلى أحد الوديان، والذي استغرق الوصول إليه ساعات طويلة من المشي في ظلمة حالكة نتكبد وعورة الطريق وبرد الشتاء.

بينما نحن نسير قررت أنا وصديقي أن نربط بعضنا إلى بعض بحيث نحيا سويًّا أو نموت سويًّا، كنا نتقدم بينما الخوف ينهش جسدي كأسد ينهش فريسته، كانت خطواتنا تزداد ثقلاً كلما تقدمنا، الأمر الذي لاحظه قائد المجموعة مما دفعه إلى التنحي جانبًا وهو يتمتم ببعض الكلمات على جهازه اللاسلكي فرد عليه أحدهم بصوت مرتفع بأحد الأرقام ولعله ٣ وقد تبين لي بعدها أنها خطة لقتل كل من يحاول التراجع أو الفرار.

ما أن وصلنا إلى منتصف الوادي حتى انهال علينا العدو بوابل من الرصاص والقذائف فكنت لا أسمع إلا الصراخ مدويًا في الأرجاء. تماسكت قليلاً مع صديقي وانبطحنا أرضًا بينما كومة من الأتربة تغطينا من نظر العدو، كان هناك من يحاول الفرار من أفراد المجموعة من الموت الذي لم يتحقق بعد، فترديه قتيلاً رصاصات الخطة ٣.

لم يكن ليمكنني عمري من أن أفقه ما يدور حولي حينها!
أليس من حقنا الخوف على أرواحنا؟ أليس من حقنا الفرار من أجل أمٍّ تنتظر عودتنا؟؟ أليس لنا الحق في الحياة كغيرنا؟؟ كانت الإجابة: لا! حيث وقعت قذيفة بالقرب منا، وأرسلت إلى شقيق المعركة قطعة من الحديد اخترقت عنقه فأنهت حياته وروحي معه.

لم أنهض من على جثة صديقي محاولًا إنقاذه، وبعد فتره قصيرة كنت أرى الأفراد يفِرون ولا يعترضهم أحد من أفراد الخطة ٣ بعد أن قضي عليهم، بينما كان صديقي يعيش آخر لحظاته ويأمرني بالفرار، كنت أحاول حمله على ظهري قاطعًا على نفسي وعدًا ألا أقطع الحبل الذي يصلني به أبدًا، فقد كان بالنسبة لي كالحبل السري الذي يربط الجنين بأمه، فهو مصدر الحياة له، وكذلك كان مصدرًا لحياتي فترة من الزمن أمسك بيدي كطفل يسحب يد أمه ليريها شيئًا يريد الحصول عليه، اقتربت منه فنزع السكين من غمدها وقطع الحبل الذي ربط مصيرنا وفارق الحياة.

مع تقدم العدو نحونا قررت الاستسلام على أن أفر كبقية أفراد المجموعة لكني لم أكن قادرًا على اتخاذ قرار الموت إطلاقًا. تذكرت الوصية التي أحملها في جيب قميصي والتي أوصى بها صديقي بينما وصيتي في جيب قميصه، ففررت لكي أنفذ وصيته أتدري ما وصيته؟

:قال فيها ولم يزد
أبلغ العالم أننا نموت مرتين!!
الأولى: عندما أقتل أخي خوفًا من قتلي.
والثانية: عندما يقتلني أخي انتقامًا من قاتلي.