المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام واعيس Headshot

طه عبد الرحمن.. وقفة بباب البدائل

تم النشر: تم التحديث:

إن كنت، عزيزي القارئ، ضقت ذرعاً بعذابات هذا العالم التي لا تنتهي، بوقائعه الغريبة والمؤلمة، بجيوشه وطوائفه التي لا تمل ولا تكل من سفك الدماء والدمار تارة باسم الرب، وأخرى باسم حقوق الإنسان، وثالثة باسم سيادة الدولة، ومرات عديدة بلا اسم ولا غاية غير شهوة القتل الذميمة والتقاء المصالح والتواطؤ، ضاق صدرك بوسائل إعلام تتنافس على نقل صور الدماء والجثث إلى المُشاهد حتى قبل أن تصل إلى المستشفيات أو مستودعات الأموات، بعالم يكثر فيه اللغط والتضليل ويختلط فيه الطيب بالخبيث، والحقيقة بالكذب، واليقين بالشك، والمغمور بالمشهور في "فتنة وجودية كبرى" لا يفكها إلا ربك.

إن كنتَ عربي اللسان، حزين القلب، مهموم العقل، باحثا عن العزاء والملاذ.. فها أنت على ضفاف سفر، وإن قصير، بين الحروف والمعاني الآسرات لفيلسوف الأخلاق طه عبدالرحمن، سفر يشرح الصدر ويوسع الفكر ويعين على مكابدة هموم العصر بحكمة الأصفياء الأخفياء..

فإن سألت لم طه عبدالرحمن؟ أقول لأنك تستحق الأفضل والأجمل والأبرع! وإن قلت لم في هذا التوقيت بالذات؟ أرد بأن الحديث عن جدارة السياسة بإصلاح أعطاب العالم تضخم واتسع وهيمن دون نتائج تعضده ولا وقائع تكرسه.. لذا أفتح لك نافذة على بدائل ممكنة، أذكرها باختصار شديد، من معين مؤلفات بلغت في شموخ المعرفة وقوة الحجة وجمال اللغة وبراعة الأسلوب ما تخشع له القلوب والأبصار، كل مؤلف منها يصعد بقارئه درجات ومنازل مرة في مراتب العقل، ومرة في شروط الحداثة، وأخرى في أسرار الترجمة والإبداع، وتارة في أشكال علاقة السياسة بالدين، ومرة في قراءة النص القرآني..

بدءاً، أحتاج منك إلى استرخاء فكري ونفس عميق واستعداد لوضع مسلمات شتى قيد الشك، فإن فعلت فاعلم أن العقل، هذا الذي تقررت فضائله ومحاسنه وعلوه، ذاك المبجل المهيب، ليس بذاك الجلال إلا بتأييد من الله، وليس جوهرا (أي ذاتا قائمة بنفسها) وإنما فعلاً إدراكياً يأتيه الإنسان بقلبه، كما يأتي فعل البصر بعينه وفعل السمع بأذنه، وقلبك هو الذات الجامعة، التي تصل بفضل فعلها العقلي ذاك، قوى الإدراك جميعاً.

والعقل بهذا الشكل، أي باعتباره فعلاً من الأفعال، يصير مراتب وأحوال، ويعتريه من النقص والحسن، والزيادة والنقصان، ما يعتري أفعال الإنسان جميعاً، فكما تحسّن أفعال الإنسان بالتزكي والأخلاق، وتعتل بالأمراض والأسقام، يترقى عقله في درجات الكمال بالتزكي، ويتعطل بأمراض الغفلة والحيلولة والقسوة.. إلا أن يدركه الله برحمة منه.

وأنت يا قارئي الكريم لا تتميز عن الحيوان بعقلك، وإنما بأخلاقك، فالتعريف المبدع للفعالية العقلية الذي جاء به طه عبدالرحمن معتبراً إياهاً تنحط وتسمو - وبعد استدلالات منطقية منسقة مفصلة في كتبه - يصل إلى أن الإنسان لا يتميز عن الحيوان بالعقل! بل "لم لا يجوز أن تكون القوة العقلية من قوى الإنسان من جنس قوة الإدراك التي يملكها الحيوان، ويهتدي بها إلى مراعيه، ويميز بها المضار والمنافع.

بل ما المانع أن نسمي هذه القوى الإدراكية الخاصة بالحيوانات، هي الأخرى، عقلا، بحيث لا تختلف عن قوة الإدراك العقلي عند الإنسان إلا في الدرجة". على هذا النحو، لا يتحدد الإنسان بعقلانيته، وإنما بأخلاقية هذه العقلانية، وبكلمة واحدة ماهية الإنسان تتحدد بأخلاقيته "ألا ترى كيف أن كل تصرف تثبت لا أخلاقيته يصير معدودا في التصرفات "اللاإنسانية"، بينما التصرف الخالي من العقلانية لا يعد خِلوا من الإنسانية" (سؤال العمل(.

طه عبدالرحمن يرى أيضا أن للحداثة روحا وواقعا. ويرى أن ابتغاء الروح محمود، وتقليد الواقع مردود. فالحداثة الغربية التي تكثر الأصوات المنادية في العالم العربي بتقليدها واستنساخها ليست إلا مظهرا واحدا من مظاهر روح الحداثة، مظهرا ظهر فساده في البر والبحر لا طائل من محاكاته ولا نفع في اتباعه (تفكك الأسرة -أزمات الهوية-انهيار الأخلاق- الإمعية..).

أما الجدير بالاستلهام فهي روح الحداثة التي قوامها الإبداع والاستقلال والحرية والنقد وعدم التسليم واتساع غير محدود في الآفاق، تلك الروح الراقية التي صنعها المجتمع الإنساني على مدى أطواره، والتي ربما قد تكون تحققت بأشكال وأحوال في مجتمعات سابقة، كما لا يعدم أن تتحقق في المستقبل..

طه عبد الرحمن يقترح أيضا أنموذجا بديلا محكم البناء لاستشكال علاقة الدين بالسياسة، التعبد بالتدبير بمصطلحه، يقوم على مقاربة غير مسبوقة في تفسير أسباب انتشار الاستبداد والحرب على السلطة والقمع وموت الضمائر وسفك الدماء في هذه العلاقة التي لطالما نظر إليها إما على أنها انفصالية (العلمانية) أو اتصالية (الحركات الإسلامية)، (يقترح) مقاربة روحية تبتني على الائتمان الإلهي للإنسان، على الأمانة التي تحملها الإنسان باختياره، على استحضار الإنسان لربه في التعبد والتدبير، على أن يتذكر الإنسان دوماً أنه كائن مزدوج الوجود، يحيا في عالمين في نفس الوقت، عالم مرئي يوجد فيه ببدنه وروحه، وعالم من "المغيّبات" يتواجد فيه بروحه فقط..

إن ما يحقق تميز طه عبد الرحمن في حقل الفلسفة هو اختياره الطريق الوعر في تبليغ نظرياته العملية: طريق الاستدلال المنطقي -البعيد عن أسلوب الإرشاد والتقرير بلا حجة ولا دليل- ذلك البناء الحجاجي المحكم المرصوص الذي يترك المرء مندهشا من جماليات العقل الموسع وقدراته الخارقة..

بهذا العقل النابض بالمحبة والجمال، يعيد العلاّمة نظم العالم، مقلبا كل "الأحكام المسبّقة والدعاوى المقرّرة، والمفاهيم السارية، والمقولات الرائجة التي صار ينظر إليها على أنها حقائق جازمة مبنية على أدلة قاطعة"، وكل ما يطلبه منك عزيزي القارئ أن تصبر على مطالعة أعماله حتى ولو "صادمت ادعاءاتُها واعتراضاتُها ما تأخذ به من الآراء والرؤى، فلعلك تُسلّم بأن باب البدائل في الوجود واسع لا يضيق ومفتوح لا ينغلق". (روح الدين- المقدمة(

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.