المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام واعيس Headshot

المغرب..الرحلة إلى أرض الزعفران

تم النشر: تم التحديث:

رحلة خاصة قادتني إلى مغرب القلوب، أهل الجنوب، تجربة وجدانية وإنسانية ومعرفية منقطعة النظير مررت بين وديانها وأنهارها وجبالها ومسالكها الوعرة بامتزاج رؤى الإنسان والصحفي بداخلي.

رحلة عبرت خلالها التلال والهضاب والجبال والأحراش، والطرق الوطنية المتضررة والخطرة، والمسالك المتعرجة والقناطر الضيقة، ولافتات كبيرة تنصبها الدولة قرب كل طريق وعر تعد المارّ فيه بالإصلاح والتعبيد والصبر وكثير، كثير من التفهم للدولة.

يا لكثرة لافتات "أشغال إصلاح الطريق رقم.. شكرا على تفهمكم"، "مشروع بناء قنطرة .." التي رأيتها في هذه الرحلة التي قادتني إلى أرض الزعفران الحر والمهيب تالوين (حوالي 1000 كلم جنوب العاصمة الرباط). لافتات مستفزة، وأشغال تسير ببطء العرائس في جوقة الزفاف وسكان يئسوا من رؤية تلك الطرق تكتمل يوما وتلك الجروح الكبيرة في جسم الأرض تلتئم وتشفى. لا شيء سوى الصبر ولا رجاء إلا في الله.

في الرحلة الخاصة هذه قررت بدءاً أن الإنسان قابل للتجزئة، وأن بالإمكان ترك القلم والذاكرة والفكر في الرف، بين الكتب والمجلات والدواوين والسفر على مقاعد الراحة، بعيداً عن كل تشويش فكري أو نقدي أو صحفي على ذهن يبغي الصفاء والتجرد. وهل من أرض غير الجنوب تذيب بِحرِّها زوائد الطبع ومتعلقات الدنيا وهموم المعيش؟

في الطريق إلى تالوين، كانت الحرباوات تعبر المسالك الضامرة والمتقدة بقوائمها الصغيرة القوية بسرعة كبيرة، ترحب بالغريب في أرض الشمس، والأولياء، والمقاومين، والأمازيغ الأفذاذ.

الصيف هنا صيف حقيقي، والجو قائظ، والشمس والطبيعة الجبلية والهواء الصافي والماء النمير وتراب الأرض، والزعفران "شعرة" الحر، والعسل واللوز والتمور، والمدى الفسيح ورائحة نبات "الشِّيح" كلها جماليات سردية وفنيات واقعية خيالية يزدوج فيها العجائبي بالمنظور لسرد حكاية بلدة كريمة ورب غفور معادن نسائها ورجالها بحجم أصالة زعفرانها الحر وشموخ جبالها المهيبة.

في مقهى بهذه المدينة التي تحرسها الجبال التليدة والشاهقة، صادفنا ابنا وأمه العجوز يشربان الشاي. هذا المقهى التقليدي يجاور عيادة طبية وكثير من العائلات تجلس فيه مع أطفالها وذويها في انتظار الطبيب، وربما للسفر، لأنه غير بعيد عن محطة النقل. كنا نتناول كؤوس الشاي الصحراوي الأصيل حين التفتت إلينا العجوز بهيبة أمهات المغرب الصامدات الكريمات وبدأت تحدث لنا من أمرها ذكرها. اللسان للأسف لا يلوك غير العربية. شرحنا لها بالإشارة أننا لا نفهم. فابتأست من جهلنا لسانا يفتح بابا شامخا نحو ذاكرة ثرية وعريقة وكنز تاريخي للمغاربة أجمعين.

فهمنا من ملامح وجه الابن وكلامه، هو الذي يتحدث العربية أيضا، أنه يحاول ثني أمه عن "إزعاجنا". غير أن هذه المرأة، التي تجر أنفاسها بمشقة، وبين تقاسيم وجهها الأسمر المتعب ترتسم حكاية جيل بأكمله من نساء المنطقة، أصرت على أن تنقل لنا شيئاً مما تلاقيه. أشارت مرات ومرات إلى السماء بيدها ثم قبّلتها وخفضتها وهي تردد كلمات لم نفهما، ولا الابن الذي بدا منزعجاً من تصرف أمه تطوع لشرحها. ربما أرادت القول: "الحال صعب جدا.. الحمد لله على كل حال". خاصة أن الحال بغير الله صعب في المغرب العميق. في الأخير، تطوع الابن، باقتضاب شديد وضيق، لنقل تحية أمه إلينا وإخبارها لنا باسم الدوار الذي قدمت منه ومشقة الطريق. بادلناهما التحية، غادرنا وقاماتنا تنعكس في عيني طفلة صغيرة تفحص سمتنا الغريب بفضول الملائكة.

وسط فناء فسيح تتوسطه شجيرات صغيرة ومزهريات، فُرشت بأطرافه زرابي مغربية أنيقة مختلفة اللون، كان مجلسنا مع الأسرة التي استضافتنا في هذا السفر الخاص. على فناء الدار تطل بيوتات أبناء وأولاد وأصهار الأسرة. كل أسرة تذهب إلى الحقل الذي تملكه لجني اللوز، أو الزيتون، أو نبات الشيح، وبدقة عالية ومهارة وخبرة أكبر مياسم أزهار الزعفران. تلك المياسم هي الزعفران شعرة. هي تلك الشعيرات التي تظهر في جوف العلب البيضاء الصغيرة التي يبلغ ثمنها حوالي 20 درهما للغرام الواحد (دولاران ). ثمن الزعفران مرتفع لأن الغلة منه في المتوسط، بالنسبة للسكان، لا تتعدى الكيلو غرام إلى الثلاثة كيلوغرامات وتتطلب تعهدا وجهدا ومشقة في الفرز والاستلال والإعداد.

في هذه الأسرة، القلوب مطمئنة برزق الله، والوجوه بشوشة والمساءات ساحرة ونسائم الغروب عليلة والنظر إلى سماء الله المفتوحة من فناء البيت تشرح الصدر وتوسع الأفق وتسعد العابر من بين جبال تالوين وأحراشها وتزيده بساطة الناس في مواجهة هذه الحياة الضنينة حكمة وتبصراً.

كانت الطريق بعد قنطرة وادي زاكموزن، التي سقطت العام الماضي بعد أربعة أشهر فقط على تدشينها في فضيحة أثثت حينها نقاشات الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي بالمغرب، تتآكل وتضيق وتتلوى كأفعى قاتلة وسط الصحراء. السكان هنا يتوقعون أن تنهار القنطرة مرة أخرى. وعندما تسأل لم؟ يردون بأنهم ألفوا مشاهد "القناطر المتساقطة" وظاهرة "تقليب الطرقات كما تقلّب الأرض للحرث" كل عام مرة أو مرتين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.