المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام واعيس Headshot

ذاكرة الرحل.."الأشياء الموجودة من خلال غيابها"

تم النشر: تم التحديث:

تصور أن تمسك بين يديك قطعة من حجر عمرها آلاف السنين، بل ملايين السنين. بهذا الحجر كان أحد أجدادك يضرم النار لشي الغزلان البرية والوحوش والاستدفاء من صقيع الحقب الغابرة. بعدها تتلمس سرْج حصان كان يمتطيه فارس مغربي يعود لأيام السيبة، وعلى مقربة من السرج مِزودات ورحل وجلود. قبل قرون، كان فارس من "آيت ربعين" يركبها لحماية القبائل من الدسائس والغزوات. كانت جل القبائل الصحراوية تشكل قوة من 40 رجلا من خيرة رجالها، فارس من كل قبيلة، وتكلفهم بحماية دمائها وأموالها وتأمين حدودها وقوافلها والذوذ عن شرفها ومكانتها بين القبائل. لقائي الدافئ مع التاريخ كان في واحة جميلة جنوب المغرب. واحة تيغمرت بجماعة أسرير حوالي 15 كيلومتر شرق بوابة الصحراء المغربية الساحرة والعظيمة: كلميم.
هنا التاريخ يُلمس باليدين، وتتعاقب على روعك مشاعر آسرة من الرهبة والدهشة والعطش. عطش إلى ذاكرة واسعة نزر منها ظاهر للعيان وجزء أكبر مدفون بتمائم الأجداد بين الرمال. بين أشجار ونخيل ورمان وقنوات مياه واحة تيغمرت الشامخة، يوجد معبر جميل نحو فصل مثير من تاريخ المغرب. على باب هذا المعبر، رجل قضى عمره في فك طلاسم الأجداد وانتشال الذاكرة من بين الرمال، إلى أن جمع "ذاكرة الرحل" في "متحف تيغمرت".
من باب خشبي صغير ولجنا أبواب الذاكرة. هذه القصبة العريقة، التي حوّلها جميل العابد عبدو مالكها ووريث سرها إلى متحف، شيدت قبل ثلاثة مائة عام. كل خطوة تخطوها تعيدك ردحا إلى ماض سحيق، يتأرجح بين عشرات وملايين السنين. بعض غرف المتحف معتمة، وأخرى يصلها الضوء من النوافذ والأبواب وبعض الفتحات. تعاقب العتمة والضوء هذا على الأشياء المعروضة يزيد من حرارة اللقاء مع التاريخ، مع الإنسانية التي مرت كلها بمراحل عتمة وضوء.
يعرض صاحب المتحف جلودا وخيما وأواني وأوتادا وأحجارا وأدوات تعود إلى فترات زمنية مختلفة، بل يعرض حتى عظام الحيتان العملاقة والدلافين التي لفظها البحر وغطتها رمال الصحراء إضافة إلى عظام الجمال الميتة. صاحب هذا المتحف شغوف بنبش مخابئ الذاكرة والحفر عميقا في المناطق المنسية لنقلها إلى مساحات الضوء. يذكر كيف عانى يوما الأمرّين من أجل رفع ضلع ثقيل من فقرات حوت نافق تحت الرمال ونقله إلى المتحف هنا بتيغمرت. وعلى ما قد يبدو في المشهد من غرابة، فعظام وأضلاع الحيتان كانت وربما لازالت تُحرق وتستعمل الأبخرة التي تضوع منها في أعمال علاجية وأحيانا سحرية. بهذه المعلومة في الذهن، يصير نقل العظمة الكبيرة حفظا لجانب طقوسي من ذاكرة المنطقة.
جزء من الأشياء المعروضة يتصل بماضي الصحراء السحيق، مثل أدوات النحت وقدح النار التي تعود لملايين السنين، وأخرى تتصل بماض يقدر بثلاثة إلى أربعة قرون، ويتصل بأمتعة الرحل من جلود وألبسة وأفرشة وما يعد لحفظ الزاد في الأسفار الخطرة والشاقة في قلب الصحراء، وأشياء تعود إلى تاريخ نسبيا قريب يرتبط بالاستعمارين الفرنسي والإسباني للمملكة. ومن جملة الأشياء المعروضة والتي تعود إلى الاستعمار درّاجة هوائية تعود لسنة 1921، ترجع ملكيتها لأول مُدرِّسة فرنسية تطأ أرض تغيمرت.. العجيب أن الدرّاجة ، التي تحمل توقيع الصانع "بوجو باريس"، لا زالت في حالة جيدة. المتحف يشتمل أيضا على أجهزة راديو عتيقة، وحقائب وأغراض سفر وأشياء متفرقة بعضها يعود لرحالة وشخصيات فرنسية معروفة مثل الكاتب والطيّار الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري.
بكرم الرجال الزرق وجود الأجداد، دعانا العابد إلى جلسة شاي بغرفة وسط المتحف، من بين غرف المتحف الخمسة عشر. مد أمامي كتبا ودلائل سياحية وبحثا لطالب أنجز دراسة حول هذا المتحف. كما قدم لي دفترا للزّوار. وجدت بين صفحاته كثيرا من الحب والتقدير والمودة للعابد، ولما ينجزه يوميا بإصرار هنا. المؤسف أن العابد، حسب كلامه، لا يتلقى من وزارة الثقافة ومن المتدخلين الرسميين إلا عبارات التقدير والتشجيع ذاتها التي يتلقاها من الزوار ! وقد ساءني أن أرى جدارا منهارا ، وجدران أخرى وأبوابا متضررة ومثقوبة بسبب الفيضانات التي اجتاحت المنطقة السنة الماضية. ترميم مثل هذه الجدران الطينية يحتاج إلى أموال مهمة للحفاظ على شكل القصبة. وعن آثار الفيضانات عموما، سأصادف في رحلتي هذه كثيرا مما يبعث على الأسى ويخالف كل الخطب البراقة للمسؤولين في الرباط عن المخطط الاستعجالي لدرء آثار الفيضان. أغلب الطرق بارت.
لم يعكر صفو جلسة الشاي بالغرفة المطلة على فناء القصبة ومزاجي معها إلا ذكر الانتخابات والأحزاب والسياسة ، وأصوات مرشحين تصلنا من خارج أسوار المتحف يقومون بالحملة ويرددون شعارات لا معنى لها ولا أول ولا آخر. بدا أنه علي أن أدلو بدلوي في الحديث بما أني أنتسب لمهنة الصحافة. قلت كلاما موجزا عن رأيي، في حدود ما جمعت من معلومات،عن ما يجري بانتخابات الجهة (كلميم واد نون) والجماعات من التفاف على مصالح الناس ورداءة برامج الأحزاب، وعدت مسرعا، كفار من مصيدة، إلى الكتب المبسوطة أمامي أقلّبها. مد لي جميل العابد قميصا مليئا بتوقيعات الشكر والامتنان لطلبة من شمال فرنسا استضافهم في قصبته لمدة، فتركوا له قميصا خاصا بهم كتذكار.
رغم أن متحف تيغمرت يقترب من حارس مكين على كنوز الواحة وتراثها ، فالواحة أرحب وأجمل من أن تختصر فيه. وبالنسبة لرجل عاش ما يزيد عن ربع قرن من حياته بين المدن، بين الإسمنت والإسفلت والخشب وجفاف ساكنة المدينة، فإن التعرف على الناس هنا وعوائدهم ومعاشهم والسماع منهم ومد البصر في أنعم الله الظاهرة والباطنة على الواحة، تجعل الإنسان يراجع مقاربته للحياة برمتها، ينتقد تضخم نوازع التملّك والاستفراد و"قلة" النية.
ويا لك من محظوظ، لو يرافقك في هذه الرحلة كتاب، ويا لعظيم حظك، لو يكون رواية إليف شافاق "قواعد العشق الأربعون". تدخل وتخرج من سنوات التاريخ، وتجيل بصرك في النخيل والتمور المتدلية وثمار الصبار وخضرة الحقول، وتفتح الرواية مسندا ظهرك لشجيرة ظليلة. تفتح الرواية على جزءها الخامس الذي يختزل عنوانه، بشكل غريب، كل شيء ساحر مررت به هنا "العدم: الأشياء الموجودة من خلال غيابها" !

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.